العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٩ - خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك
فأتاها أشعب فاستأذن عليها، و كان نساء المدينة لا يحتجبن عنه؛ فقالت له: ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب؟قال: يا سيدتي، أرسلني إليك الوليد برسالة. قالت: هاتها.
فأنشدها البيتين، فقالت لجواريها: خذن هذا الخبيث... و قالت: ما جرّأك على مثل هذه الرسالة؟قال: إنها بعشرين ألفا معجلة مقبوضة!قالت و اللّه لأجلدنك أو لتبلغنّه عني كما أبلغتني عنه. قال: فاجعلي لي جعلا [١] . قالت: بساطي هذا. قال:
فقومي عنه. فقامت عنه، و طوى البساط و ضمه، ثم قال: هاتي رسالتك. فقالت له: قل له:
أ تبكي على سعدى و أنت تركتها # فقد ذهبت سعدى، فما أنت صانع
فلما بلّغه الرسالة كظم الغيظ على أشعب، و قال: اختر إحدى ثلاث خصال، و لا بد لك من إحداها: إما أن أقتلك، و إما أن أطرحك للسباع فتأكلك، و إما أن ألقيك من هذا القصر!فقال أشعب، يا سيدي، ما كنت لتعذب عينين نظرتا إلى سعدى!فضحك و خلى سبيله.
و أقامت عنده سلمى حتى قتل عنها، و هو القائل في سلمى:
شاع شعري في سليمى و ظهر # و رواه كلّ بدو و حضر
و تهادته الغواني بينها # و تغنّين به حتى انتشر
لو رأينا من سليمى أثرا # لسجدنا ألف ألف للأثر
و اتخذناها إماما مرتضى # و لكانت حجّنا و المعتمر
إنما بنت سعيد قمر # هل حرجنا أن سجدنا للقمر
و فيها يقول قبل تزوجه لها:
حدّثوا أنّ سليمى # خرجت يوم المصلّى
فإذا طير مليح # فوق غصن يتفلّى [٢]
[١] الجعل: الجعالة: ما يجعل على العمل من أجر أو رشوة.
[٢] يتفلى: يتأمل.