العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٤٢ - فتنة ابن الزبير
ثم ترك كلّ واحد منهما أصحابه، و انفردا فنزلا؛ فقال حصين: يا أبا بكر، أنا سيد أهل الشام لا أدافع، و أرى أهل الحجاز قد رضوا بك؛ فتعال أبايعك الساعة و يهدر كل شيء أصبناه يوم الحرّة، و تخرج معي إلى الشام، فإني لا أحب أن يكون الملك بالحجاز. فقال: لا و اللّه لا أفعل، و لا آمن من أخاف الناس و أحرق بيت اللّه و انتهك حرمته!قال: بل فافعل على أن لا يختلف عليك اثنان. فأبى ابن الزبير؛ فقال له حصين: لعنك اللّه و لعن من زعم أنك سيد، و اللّه لا تفلح أبدا!اركبوا يا أهل الشام. فركبوا و انصرفوا.
أبو عبيد عن الحجّاج عن أبي معشر قال: حدّثنا بعض المشيخة الذين حضروا قتال ابن الزبير، قال: غلب حصين بن نمير على مكة كلها إلا الحجر، قال: فو اللّه إني لجالس عنده و معه نفر من القرشيين: عبد اللّه بن مطيع، و المختار بن أبي عبيد، و المسور بن مخرمة، و المنذر بن الزبير، إذ هبّت رويحة [١] ؛ فقال المختار: و اللّه إني لأرى في هذه الرويحة النصر، فاحملوا عليهم. فحملوا عليهم حتى أخرجوهم من مكة، و قتل المختار رجلا، و قتل ابن مطيع رجلا. ثم جاءنا على أثر ذلك موت يزيد بعد حريق الكعبة بإحدى عشرة ليلة.
و انصرف حصين بن نمير و أصحابه إلى الشام، فوجدوا معاوية بن يزيد قد مات و لم يستخلف، و قال: لا أتحملها حيا و ميتا.
فلما مات معاوية بن يزيد، بايع أهل الشام كلهم ابن الزبير، إلا أهل الأردن؛ و بايع أهل مصر أيضا ابن الزبير، و استخلف ابن الزبير الضحاك بن قيس الفهري على أهل الشام. فلما رأى ذلك رجال بني أمية و ناس من أشراف أهل الشام و وجوههم، منهم روح بن زنباع و غيره، قال بعضهم لبعض: إنّ الملك كان فينا أهل الشام، فانتقل عنا إلى الحجاز؛ لا نرضى بذلك؛ هل لكم أن تأخذوا رجلا منا فينظر في هذا الأمر. فقال[روح بن زنباع]: استخيروا اللّه. قال: فرأى القوم أنه غلام
[١] رويحة: تصغير الرّوح: النسيم.