العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥٥ - احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليّ
تأويل غير هذه الثلاثة الأوجه فقله. قلت: لا أعلم، و إن لأبي بكر فضلا. قال:
أجل، لو لا أن له فضلا لما قيل إن عليا أفضل منه؛ فما فضله الذي قصدت له الساعة؟قلت: قول اللّه عز و جل: ثََانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمََا فِي اَلْغََارِ إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا [١] ؛ فنسبه إلى صحبته. قال: يا إسحاق، أما إني لا أحملك على الوعر من طريقك؛ إني وجدت اللّه تعالى نسب إلى صحبة من رضيه و رضي عنه كافرا، و هو قوله: قََالَ لَهُ صََاحِبُهُ وَ هُوَ يُحََاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوََّاكَ رَجُلاً، `لََكِنَّا هُوَ اَللََّهُ رَبِّي وَ لاََ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً [٢] . قلت:
إن ذلك صاحب كان كافرا، و أبو بكر مؤمن. قال: فإذا جاز أن ينسب إلى صحبة من رضيه كافرا، جاز أن ينسب إلى صحبة نبيه مؤمنا، و ليس بأفضل المؤمنين و لا الثاني و لا الثالث. قلت: يا أمير المؤمنين، إن قدر الآية عظيم، إن اللّه يقول: ثََانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمََا فِي اَلْغََارِ إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا [٣] !قال: يا إسحاق، تأبى الآن إلا أن أخرج إلى الاستقصاء عليك!أخبرني عن حزن أبي بكر: أ كان رضا أم سخطا؟قلت: إن أبا بكر إنما حزن من أجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم خوفا عليه و غما، أن يصل إلى رسول اللّه شيء من المكروه. قال: ليس هذا جوابي، إنما كان جوابي أن تقول: رضا، أم سخط. قلت: بل كان رضا للّه. قال: فكأن اللّه جل ذكره بعث إلينا رسولا ينهى عن رضا اللّه عز و جل و عن طاعته!قلت: أعوذ باللّه!قال: أ و ليس قد زعمت أن حزن أبي بكر رضا للّه؟قلت: بلى. قال: أ و لم تجد أن القرآن يشهد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال: «لا تحزن» ، نهيا له عن الحزن؟قلت: أعوذ باللّه! قال: يا إسحاق، إن مذهبي الرفق بك، لعل اللّه يردّك إلى الحق و يعدك بك عن الباطل، لكثرة ما تستعيذ به. و حدّثني عن قول اللّه: فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [٤] ، من عنى بذلك؛ رسول اللّه أم أبا بكر؟قلت: بل رسول اللّه. قال: صدقت!
[١] سورة التوبة الآية ٤٠.
[٢] سورة الكهف الآية ٣٧.
[٣] سورة التوبة الآية ٤٠.
[٤] المصدر نفسه.