العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٨ - الحجاج و ابن المنتشر في ذمي
قال نباتة: فأتيت على الكتاب بمحضر أمير المؤمنين عبد الملك، فلما استوعبته سارقته النظر على الهيبة منه، فصادف لحظي لحظه، فقال: اقطعه و لا تعلمنّ بما كان أحدا. فلما مات عبد الملك فشا عني الخبر بعد موته.
الحجاج و ابن المنتشر في ذمي:
محمد بن المنتشر بن الأجدع الهمداني قال: دفع إلي الحجاج رجلا ذمّيا [١] ، و أمرني بالتشديد عليه و الاستخراج منه، فلما انطلقت به قال لي: يا محمد، إن لك لشرفا و دينا. إني لا أعطى على القسر شيئا، فاستأذني و ارفق بي. قال: ففعلت فأدّى إليّ في أسبوع خمسمائة ألف، فبلغ ذلك الحجاج فأغضبه، فانتزعه من يدي و دفعه إلى الذي كان يتولى له العذاب، فدق يديه و رجليه و لم يعطه شيئا. قال محمد ابن المنتشر: فإني لسائر يوما في السوق، إذ صائح بي: يا محمد، فالتفتّ، فإذا أنا به معترضا على حمار مدقوق اليدين و الرجلين، فخفت الحجاج إن أتيته و تذمّمت [٢] منه، فملت إليه، فقال لي: إنك وليت مني ما ولي هؤلاء، فرفقت بي و أحسنت إليّ، و إنهم صنعوا بي ما ترى، و لي خمسمائة ألف عند فلان، فخذها مكافأة لما أحسنت إليّ. فقلت: ما كنت لآخذ منك على معروفي أجرا، و لا لأرزأك [٣] على هذه الحالة شيئا!قال: فأما إذ أبيت فاسمع مني حديثا أحدّثك به، حدّثنيه بعض أهل دينك عن نبيك صلّى اللّه عليه و سلم: إذا رضي اللّه عن قوم أنزل عليهم المطر في وقته، و جعل المال في سمحائهم، و استعمل عليهم خيارهم؛ و إذا سخط على قوم أنزل عليهم المطر في غير وقته، و جعل المال في بخلائهم، و استعمل عليهم شرارهم.
فانصرفت، فما وضعت ثوبي حتى أتاني رسول الحجاج، فسرت إليه، فألفيته جالسا على فراشه و السيف مصلت بيده، فقال لي: ادن. فدنوت شيئا، ثم قال لي: ادن فدنوت شيئا، ثم قال لي الثالثة: ادن، لا أبا لك!فقلت: ما بي إلى الدنوّ من حاجة،
[١] ذميا: من أهل الذمة.
[٢] تذممت: استحييت.
[٣] أرزأك: أصابك بمكروه.