العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٣ - خروج عبد اللّه بن عباس على عليّ
فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحا للأمة؛ توفّر لهم فيئهم، و تكف نفسك عن دنياهم فلا تأكل أموالهم، و لا ترتشي بشيء في أحكامهم. و ابن عمك قد أكل ما تحت يديه من غير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك اللّه فيما هنالك، و اكتب إليّ برأيك، فما أحببت أتّبعه إن شاء اللّه، و السلام.
فكتب إليه عليّ:
أما بعد، فمثلك نصح الإمام و الأمة، [و ادّى الأمانة]و والي على الحق، و فارق الجور؛ و قد كتبت لصاحبك بما كتبت إليّ فيه[من أمره]، و لم أعلمه بكتابك إليّ، فلا تدع إعلامي ما يكون بحضرتك، مما النظر فيه للأمة صلاح، فإنك بذلك جدير، و هو حق واجب للّه عليك، و السلام.
و كتب عليّ إلى ابن عباس:
أما بعد، فإنه قد بلغني عنك أمر، إن كنت فعلته فقد أسخطت اللّه، و أخزيت أمانتك، و عصيت إمامك، و خنت المسلمين. بلغني أنك جردت [١] الأرض و أكلت ما تحت يدك، فارفع إليّ حسابك، و اعلم أن حساب اللّه أعظم من حساب الناس و السلام.
فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فإن كل الذي بلغك باطل، و أنا لما تحت يدي ضابط، و عليه حافظ، فلا تصدق عليّ الظنين، و السلام.
فكتب إليه عليّ: أما بعد، فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية: من أين أخذته؟و ما وضعت منها: أين وضعته؟فاتق اللّه فيما ائتمنتك عليه و استرعيتك إياه، فإن المتاع بما أنت رازمه [٢] قليل، و تباعته وبيلة لا تبيد، و السلام.
فلما رأى أن عليا غير مقلع عنه كتب إليه: أما بعد، فإنه بلغني تعظيمك عليّ
[١] جرد الأرض: عراها، و اكل نباتها، .
[٢] رازمه: جامعه.