العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٧ - و من حديث الجمل
بلدك الذي خرجت منه. قالت: رحم اللّه أمير المؤمنين ذاك: عمر بن الخطاب! قلت: نعم، و هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. قالت: أبيت أبيت!قلت: ما كان إباؤك إلا فواق [١] ناقة بكيئة [٢] ، ثم صرت ما تحلين و لا تمرّين، و لا تأمرين و لا تنهين!قال: فبكت حتى علا نشيجها، ثم قالت: نعم أرجع، فإنّ أبغض البلدان إليّ بلد أنتم فيه!فقلت: أما و اللّه ما كان ذلك جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أمّا، و جعلنا أباك لهم صدّيقا. قالت: أ تمنّ علي برسول اللّه يا بن عباس؟قلت: نعم نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننت به علينا! قال ابن عباس: فأتيت عليا فأخبرته، فقبّل بين عيني و قال: بأبي ذرّيّة بعضها من بعض و اللّه سميع عليم.
و من حديث ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب: أنّ قاضيا من قضاة أهل الشام أتى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت رؤيا أفظعتني. قال:
و ما رأيت؟قال: رأيت الشمس و القمر يقتتلان و النجوم معهما نصفين. قال: فمع أيهما كنت؟قال: مع القمر على الشمس. قال عمر بن الخطاب وَ جَعَلْنَا اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنََا آيَةَ اَللَّيْلِ وَ جَعَلْنََا آيَةَ اَلنَّهََارِ مُبْصِرَةً [٣] . فانطلق، فو اللّه لا تعمل لي عملا أبدا. قال: فبلغني أنه قتل مع معاوية بصفّين.
أبو بكر بن أبي شيبة قال: أقبل سليمان بن صرد، و كانت له صحبة مع النبي صلّى اللّه عليه و سلم، إلى عليّ بن أبي طالب بعد وقعة الجمل؛ فقال له: تنأنأت [٤] و تزحزت و تربصت، فكيف رأيت اللّه صنع؟قال: يا أمير المؤمنين، إنّ الشّوط بطين [٥] ، و قد بقي من الأمور ما تعرف به عدوّك من صديقك.
[١] الفواق: ما بين الحلبتين من الوقت.
[٢] البكيئة من النوق: التي قلّ لبنها.
[٣] سورة السراء الآية ١٢.
[٤] تنأنأت: قصرت و عجزت.
[٥] بطين: بعيد.