العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٢ - وفاة معاوية
قالوا: خفنا القتل، و كادكم بنا و كادنا بكم [١] .
وفاة معاوية
عن الهيثم بن عدي قال: لما حضرت معاوية الوفاة و يزيد غائب، دعا الضحاك بن قيس الفهري، و مسلم بن عقبة المري، فقال:
أبلغا عني يزيد و قولا له: انظر إلى أهل الحجاز، فهم أصلك و عترتك؛ فمن أتاك منهم فأكرمه، و من قعد عنك فتعاهده، و انظر أهل العراق، فإن سألوك عزل عامل في كل يوم فاعزله، فإنّ عزل عامل واحد أهون من سلّ مائة ألف سيف، [ثم]لا تدري على من تكون الدائرة؛ ثم انظر إلى أهل الشام، فاجعلهم الشعار دون الدثار [٢] ؛ فإن رابك من عدوّك ريب فارمه بهم، ثم اردد أهل الشام إلى بلدهم و لا يقيموا في غيره فيتأدّبوا بغير أدبهم؛ لست أخاف عليك إلا ثلاثة: الحسين بن علي، و عبد اللّه بن الزبير، و عبد اللّه بن عمر. فأما الحسين ابن علي فأرجو أن يكفيكه اللّه بمن قتل أباه و خذل أخاه؛ و أما ابن الزبير فإنه خبّ ضب [٣] ، فإن ظفرت به فقطّعه إربا إربا؛ و أما ابن عمر فإنه رجل قد وقذه [٤] الورع، فخلّ بينه و بين آخرته يخلّ بينك و بين دنياك.
ثم أخرج إلى يزيد بريدا بكتاب يستقدمه و يستحثه، فخرج مسرعا، فتلقاه يزيد فأخبره بموت معاوية، فقال يزيد:
جاء البريد بقرطاس يخبّ به # فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا لك الويل ما ذا في صحيفتكم # قالوا الخليفة أمسى مثبتا و جعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا # كأنّ أغبر من أركانها انقلعا
ثمّ انبعثنا إلى خوص مزمّمة # نرمي الفجاج بها ما نأتلي سرعا [٥]
[١] كاد القوم: حاربهم، و خدعهم و مكر بهم.
[٢] الدّثار: الثوب الذي يكون فوق الشعار، و الغطاء.
[٣] الخب: ضد الخداع. و الضب: المراوغ.
[٤] وقذه الورع: تركه عليلا.
[٥] الخوص: النوق الغائرة العيون من كثرة الأسفار.