العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٥ - أخبار هشام بن عبد الملك
محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدويّ، و كان أعظم القوم قدرا، و أكبرهم سنا؛ فقال:
أصلح اللّه أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قالت فيك ما قالت؛ و أكثرت و أطنبت؛ و اللّه ما بلغ قائلهم قدرك، و لا أحصى خطيبهم فضلك، و إن أذنت في القول قلت. قال: قل و أوجز. قال: تولاك اللّه يا أمير المؤمنين بالحسنى؛ و زيّنك بالتقوى؛ و جمع لك خير الآخرة و الأولى؛ إن لي حوائج، أ فأذكرها؟. قال: هاتها.
قال: كبرت سنّي، و نال الدهر مني؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري، و ينفي فقري، فعل. قال: و ما الذي ينفي فقرك و يجبر كسرك؟قال: ألف دينار، و ألف دينار، و ألف دينار. قال: فأطرق هشام طويلا ثم قال: يا بن أبي الجهم، بيت المال لا يحتمل ما ذكرت. ثم قال له: هيه!قال: ما هيه؟أما و اللّه إن الأمر لواحد، و لكنّ اللّه آثرك لمجلسك؛ فإن تعطنا فحقّنا أديت، و إن تمنعنا نسأل اللّه الذي بيده ما حويت؛ يا أمير المؤمنين، إن اللّه جعل العطاء محبة و المنع مبغضة. و اللّه لأن أحبّك أحبّ إليّ من أن أبغضك؛ قال: فألف دينار لما ذا؟قال: أقضي بها دينا قد حمّ قضاؤه! [١] و عناني حمله، و أضرّ بي أهله. قال: فلا بأس، تنفس كربة، و تؤدي أمانة. و ألف دينار لما ذا؟قال: أزوّج بها من بلغ من ولدي. قال: نعم المسلك سلكت، أغضضت بصرا، و أعففت ذكرا، و أمّرت [٢] نسلا. و ألف دينار لما ذا؟ قال: أشتري بها أرضا يعيش بها ولدي، و أستعين بفضلها على نوائب [٣] دهري، و تكون ذخرا لمن بعدي. قال: فإنا قد أمرنا لك بما سألت. قال: فالمحمود اللّه على ذلك، و خرج.
فأتبعه هشام بصره، و قال: إذا كان القرشي فليكن مثل هذا، ما رأيت رجلا أوجز في مقال و لا أبلغ في بيان منه، ثم قال: أما و اللّه إنا لنعرف الحق إذا نزل،
[١] حم قضاؤه: استحق عليه دفعه.
[٢] أمرت: أكثرت.
[٣] النوائب: المصائب و الشدائد.