العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٣ - أخبار هشام بن عبد الملك
شئت أرسل فتؤتى بثيابك. فقال: ويحك!أتيت اللّه زائرا في رداء و قميص و لا أدخل بهما على هشام!فدخل عليه، فوصله بعشرة آلاف، ثم قدم مكة فقضى حجه، فلما رجع إلى المدينة قيل له: إن سالما شديد الوجع. فدخل عليه و سأله عن حاله.
و مات سالم فصلى عليه هشام و قال: ما أدري بأي الأمرين أنا أسرّ: بحجتي أم بصلاتي على سالم.
قال: و وقف هشام يوما قريبا من حائط فيه زيتون له، فسمع نفض الزيتون، فقال لرجل: انطلق إليهم فقل لهم: التقطوه و لا تنفضوه، فتفقئوا عيونه، و تكسروا غصونه.
و خرج هشام هاربا من الطاعون، فانتهى إلى دير فيه راهب، فأدخله الراهب بستانه، فجعل ينتقي له أطائب الفاكهة و البالغ منها، فقال هشام: يا راهب، هبني بستانك هذا!فلم يجبه، فقال: مالك لا تتكلم؟فقال: وددت أنّ الناس كلّهم ماتوا غيرك!قال: و لم؟قال: لعلك أن تشبع!فالتفت هشام إلى الأبرش فقال: أ تسمع ما يقول؟قال الأبرش: بلى، و اللّه ما لقيك حرّ غيره.
العتبي قال: إني لقاعد عند قاضي هشام بن عبد الملك إذ أقبل إبراهيم بن محمد بن طلحة، و صاحب حرس هشام، حتى قعدا بين يديه، فقال الحرسيّ [١] : إن أمير المؤمنين جرّاني [٢] في خصومة بينه و بين إبراهيم. قال القاضي: شاهديك على الجراية [٣] . فقال: أ تراني قلت على أمير المؤمنين ما لم يقل و ليس بيني و بينه إلا هذه السترة؟قال: لا، و لكنه لا يثبت الحق لك و لا عليك إلا ببينة. قال: فقام، فلم يلبث حتى قعقعت الأبواب و خرج الحرسي فقال: هذا أمير المؤمنين. قال: فقام القاضي فأشار إليه فقعد، و بسط له مصلى فقعد عليه هو و إبراهيم؛ و كنا حيث نسمع بعض كلامهما و يخفى علينا البعض، قال: فتكلما و أحضرت البينة، فقضى القاضي على
[١] الحرسيّ: واحد حرس السلطان.
[٢] جرّاني: ارسلني وكيلا.
[٣] الجراية: الوكالة.