العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٠٠ - سليمان و الحجاج
بسم اللّه الرحمن الرحيم، من سليمان بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف، سلام على أهل الطاعة من عباد اللّه، أما بعد؛ فإنك امرؤ مهتوك عنه حجاب الحق، مولع بما عليك لا لك، منصرف عن منافعك، تارك لحظك، مستخف بحق اللّه و حق أوليائه، لا ما سلف إليك من خير يعطفك، و لا ما عليك لآلك يصرفك في مبهمة من أمرك مغمور منكوس معصوصر [١] عن الحق اعصيصارا، لا تتنكّب [٢] عن قبيح، و لا ترعوي [٣] عن إساءة، و لا ترجو للّه و قارا؛ حتى دعيت فاحشا سبابا، فقس شبرك بفترك، و احذ زمام نعل بحذو مثله فايم اللّه لئن أمكنني اللّه منك لأدوسنك دوسة تلين منها فرائصك [٤] ، و لأجعلنك شريدا في الجبال. تلوذ بأطراف الشمال، و لأعلقن الرومية الحمراء بثدييها، علم اللّه ذلك مني و قضى لي به عليّ، فقدما غرّتك العافية. و انتحيت [٥] أعراض الرجال؛ فإنك قدرت فبذخت، و ظفرت فتعدّيت؛ فرويدك حتى تنظر كيف يكون مصيرك إن كانت بي و بك مدة أتعلق بها.
و إن تكن الأخرى فأرجو أن تئول إلى مذلة ذليلة، و خزية طويلة، و يجعل مصيرك في الآخرة شرّ مصير!و السلام.
فكتب إليه الحجاج: بسم اللّه الرحمن الرحيم. من الحجاج بن يوسف إلى سليمان بن عبد الملك، سلام على من أتبع الهدى، أما بعد، فإنك كتبت إلي تذكر أني امرؤ مهتوك عني حجاب الحق، مولع بما عليّ لا لي، منصرف عن منافعي، تارك لحظي، مستخف بحق اللّه و حق وليّ الحق؛ و تذكر أنك ذو مصاولة [٦] ؛ و لعمري إنك لصبيّ حديث السن، تعذر بقلة عقلك، و حداثة سنك و يرقب فيك غيرك.
[١] معصوصر: ممنوع محبوس.
[٢] تتنكب عن قبيح: تتنحى و تعرض.
[٣] ترعوي: تستحي.
[٤] الفرائص: جمع فريصة: و هي لحمة بين الكتف و الصدر ترتعد عند الفزع.
[٥] انتحاه: اعتمده بالكلام و قصده.
[٦] المصاولة: المغالبة و المنافسة.