العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٤ - أمر الحكمين
وسطه، و لا ينشر طرفاه، فقال علي: لست من كيدك و لا من كيد معاوية في شيء؛ لا أعطيه إلا السيف حتى يغلبه الحق. قال: و هو و اللّه لا يعطيك إلا السيف حتى يغلبك الباطل. قال: و كيف ذلك؟قال: لأنك تطاع اليوم و تعصي غدا، و إنه يطاع و لا يعصى!.
فلما انتشر عن علي أصحابه قال: للّه بلاء ابن عباس، إنه لينظر إلى الغيب بستر رقيق.
قال: ثم اجتمع أصحاب البرانس [١] -و هم وجوه أصحاب علي-على أن يقدّموا أبا موسى الأشعري-و كان مبرنسا-و قالوا: لا نرضى بغيره. فقدّمه عليّ، و قدّم معاوية عمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو: إنك قد رميت برجل طويل اللسان قصير الرأي، فلا ترمه بعقلك كله.
فأخلي لهما مكان يجتمعان فيه. فأمهله عمرو بن العاص ثلاثة أيام، ثم أقبل إليه بأنواع من الطعام يشهّيه بها، حتى إذا استبطن أبو موسى ناجاه عمرو فقال له: يا أبا موسى، إنك شيخ أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و ذو فضلها و ذو سابقتها؛ و قد ترى ما وقعت فيه هذه الأمّة من الفتنة العمياء التي لا بقاء معها؛ فهل لك أن تكون ميمون هذه الأمّة فيحقن اللّه بك دماءها، فإنه يقول في نفس واحدة وَ مَنْ أَحْيََاهََا فَكَأَنَّمََا أَحْيَا اَلنََّاسَ جَمِيعاً [٢] . فكيف بمن أحيا أنفس هذا الخلق كله؟ قال له: و كيف ذلك؟ قال: تخلع أنت عليّ بن أبي طالب، و أخلع أنا معاوية بن أبي سفيان؛ و نختار لهذه الأمّة رجلا لم يحضر في شيء من الفتنة و لم يغمس يده فيها.
قال له: و من يكون ذلك؟
[١] البرانس: جمع برنس، و هو قلنسوة طويلة، كان النساك يلبسونها في صدر الاسلام.
[٢] سورة المائدة الآية ٣٢.