العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٥ - أمر الحكمين
و كان عمرو بن العاص قد فهم رأي أبي موسى في عبد اللّه بن عمر؛ فقال له:
عبد اللّه بن عمر.
فقال: إنه لكما ذكرت، و لكن كيف لي بالوثيقة منك؟ فقال له: يا أبا موسى، أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ [١] ؛ خذ من العهود و المواثيق حتى ترضى.
ثم لم يبق عمرو بن العاص عهدا و لا موثقا و لا يمينا مؤكدة حتى حلف بها، حتى بقي الشيخ مبهوتا، و قال له: قد أجبت! فنودى في الناس بالاجتماع إليهما فاجتمعوا.
فقال له عمرو: قم فأخطب الناس يا أبا موسى، فقال: قم أنت اخطبهم. فقال:
سبحان اللّه!أنا أتقدّمك و أنت شيخ أصحاب محمد!و اللّه لا فعلت أبدا. قال: أو عسى في نفسك امر!-فزاده أيمانا و توكيدا، حتى قام الشيخ فخطب الناس، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس، إني قد اجتمعت أنا و صاحبي على أن أخلع أنا عليّ بن أبي طالب، و يعزل هو معاوية بن أبي سفيان؛ و نجعل هذا الأمر لعبد اللّه بن عمر؛ فإنه لم يحضر في فتنة، و لم يغمس يده في دم امرئ مسلم. ألا و إني قد خلعت عليّ بن أبي طالب كما أختلع سيفي هذا! ثم خلع سيفه من عاتقه و جلس، و قال لعمرو: قم. فقام عمرو بن العاص، فحمد اللّه و أثنى عليه، و قال:
أيها الناس، إنه قد كان من رأي صاحبي ما قد سمعتم، و إنه قد أشهدكم أنه خلع عليّ بن أبي طالب كما يخلع سيفه؛ و أنا أشهدكم أني قد أثبتّ معاوية بن أبي سفيان كما أثبت سيفي هذا!
[١] سورة الرعد الآية ٢٨.