العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٤ - خروج عبد اللّه بن عباس على عليّ
مرزئة مال بلغك أني رزأته [١] أهل هذه البلاد، و أيم اللّه لأن ألقى اللّه بما في بطن هذه الأرض من عقيانها [٢] و مخبئها، و بما على ظهرها من طلاعها [٣] ذهبا، أحبّ إليّ من أن ألقى اللّه و قد سفكت دماء هذه الأمة لأنال بذلك الملك و الإمرة. ابعث إلى عملك من أحببت، فإني ظاعن، و السلام.
فلما أراد عبد اللّه المسير من البصرة دعا أخواله بني هلال بن عامر بن صعصعة ليمنعوه، فجاء الضحاك بن عبد اللّه الهلالي فأجاره، و معه رجل منهم يقال له عبد اللّه بن رزين، و كان شجاعا بئيسا [٤] ؛ فقالت بنو هلال: لا غنى بنا عن هوازن فقالت هوازن: لا غنى بنا عن سليم. ثم أتتهم قيس، فلما رأى اجتماعهم له حمل ما كان في بيت مال البصرة، و كان فيما زعموا ستة آلاف ألف، فجعله في الغرائر.
قال: فحدثني الأزرق اليشكري، قال: سمعت أشياخنا من أهل البصرة قالوا: لما وضع المال في الغرائر ثم مضى به، تبعته الأخماس كلها بالطفّ [٥] ، على أربعة فراسخ من البصرة، فواقفوه، فقالت لهم قيس: و اللّه لا تصلون إليه و منا عين تطرف. فقال صبرة[بن شيمان]، و كان رأس الأزد: و اللّه إن قيسا لإخوتنا في الإسلام، و جيراننا في الدار، و أعواننا على العدوّ و إن الذي تذهبون به من المال لو ردّ عليكم لكان نصيبكم منه الأقلّ، و هو[غدا]خير لكم من المال. قالوا: فما ترى؟قال:
انصرفوا عنهم.
فقال بكر بن وائل و عبد القيس: نعم الرأي رأي صبرة و اعتزلوهم.
فقالت بنو تميم: و اللّه لا نفارقهم حتى نقاتلهم عليه. فقال الأحنف بن قيس: أنتم و اللّه أحق أن لا تقاتلوهم عليه، و قد ترك قتالهم من هو أبعد منكم رحما!قالوا:
و اللّه لنقاتلنهم!فقال: و اللّه لا أساعدكم على قتالهم. و انصرف عنهم.
[١] رزأ المال: أي أصاب منه شيئا.
[٢] العقيان: الذهب.
[٣] طلاع الشيء: ملؤه.
[٤] البئيس: الذي اشتدت حاجته.
[٥] الطفّ: ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق.