العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٣ - الحكم بن هشام
و خيّره في إبرازها إليه، أو عزله عن القضاء!فقال له: أ لا أدعوك إلى خير من ذلك؟تبتاع الجارية من صاحبها بأنفس ثمن و أبلغ ما يسأله فيها. فقال: إن الشهود قد شخصوا من كروة جيان يطلبون الحق في مظانه [١] ، فلما صاروا ببابك تصرفهم دون إنقاذ الحق لأهله!و لعل قائلا أن يقول: باع ما يملك بيع مقتسر على أمره. فلما رأى عزمه أمر بإخراج الجارية من قصره، و شهد الشهود على عينها، و قضى بها لصاحبها.
و كان سعيد بن بشير القاضي إذا خرج إلى المسجد أو جلس في مجلس الحكم، جلس في رداء معصفر [٢] و شعر مفرق إلى شحمة أذنيه؛ فإذا طلب ما عنده وجد أورع الناس و أفضلهم.
و كانت للحكم ألف فرس مربوطة بباب قصره على جانب النهر، عليها عشرة عرفاء، تحت يد كل عريف منها مائة فرس لا تندب و لا تبرح، فإذا بلغه عن ثائر في طرف من أطرافه عاجله قبل استحكام أمره، فلا يشعر حتى يحاط به.
و أتاه الخبر: أن جابر بن لبيد يحاصر جيان و هو يلعب بالصولجان في الجسر، فدعا بعريف من أولئك فأشار إليه أن يخرج من تحت يده إلى جابر بن لبيد، ثم فعل مثل ذلك بأصحابه من العرفاء، فلم يشعر ابن لبيد حتى تساقطوا عليه متساوين، فلما رأى ذلك عدوّه سقط في أيديهم و ظنوا أن الدنيا قد حشرت لديهم، فولوا مدبرين.
و قال الحكم يوم الهيجاء بعد وقعة الرّبض:
رأيت صدوع الأرض بالسّيف راقعا # و قدما رأيت الشّعب مذ كنت يافعا
فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة # أبادرها مستنضي السيف دارعا
و شافه على أرض القضاء جماجما # كأقحاف شريان الهبيد لوامعا [٣]
[١] المظانّ: المواقع التي ينشد فيها الباحث طلبته. و المظان: جمع مظنة؛ و هي الموضع الذي يظن كون الشيء فيه.
[٢] المعصفر: الذي صبغ بالعصفر.
[٣] شريان الهبيد: شجر الحنظل.