العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٥٧ - سنة اثنتي عشر و ثلاثمائة
ثم استشار ذا النّهى و الحجر # من صحبه و من رجال الثّغر
فكلّهم أشار أن لا يدربا # و لا يجوز الجبل المؤشّبا
لأنه في عسكر قد انخرم # بندب كلّ العرفاء و الحشم
و شنّعوا أنّ وراء الفجّ # خمسين ألفا من رجال العلج
فقال لا بدّ من الدّخول # و ما إلى حاشاه من سبيل
و أن أديخ أرض بنبلونة # و ساحة المدينة الملعونة
و كان رأيا لم يكن من صاحب # ساعده عليه غير الحاجب
و استنصر اللّه و عبّى و دخل # فكان فتحا لم يكن له مثل [١]
لمّا مضى و جاز الدّروبا # و ادّرع الهيجاء و الحروبا [٢]
عبّى له علج من الأعلاج # كتائبا غطّت على الفجاج [٣]
فاستنصر الإمام ربّ الناس # ثم استعان بالنّدى و الباس
و عاذ بالرّغبة و الدعاء # و استنزل النّصر من السّماء
فقدم القوّاد بالحشود # و أتبع المدود بالمدود
فانهزم العلج و كانت ملحمه # جاوز فيها السّاقة المقدّمة [٤]
فقتلوا مقتلة الفناء # فارتوت البيض من الدّماء
ثم أمال نحو بنبلونة # و اقتحم العسكر في المدينة
حتى إذا جاسوا خلال دورها # و أسرع الخراب في معمورها
بكت على ما فاتها النّواظر # إذ جعلت تدقّها الحوافر
لفقد من قتّل من رجالها # و ذلّ من أيتم من أطفالها
فكم بها و حولها من أغلف # تهمي عليه الدمع عين الأسقف [٥]
[١] عبأ الشيء: هيأه. و عبّى: عبأ. و المراد هنا تعبئة الجيوش و تهيأتها للحرب.
[٢] ادّرع الحروب: خاض غمارها.
[٣] الفجاج: جمع الفجّ، و هو الطريق الواسع البعيد.
[٤] الساقة من الجيش: مؤخّره.
[٥] الأغلف: الذي لا يعي.