العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٢ - بين أم جعفر و الرشيد
ثدييها؛ ثم أجلسها معه، فقالت: يا أمير المؤمنين، أ يعدو علينا الزمان و يجفونا خوفا لك الأعوان، و يحردك [١] عنا البهتان و قد ربيتك في حجري، و أخذت برضاعك الأمان من عدوي و دهري؟فقال لها: و ما ذلك يا أم الرشيد؟قال سهل: فآيسني من رأفته، بتركه كنيتها آخرا ما كان أطمعني من برّه بها أولا، قالت: ظئرك [٢] يحيى و أبوك بعد أبيك، و لا أصفه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته، و إشفاقه عليه، و تعرّضه للحتف في شأن موسى أخيه. قال لها: يا أمّ الرشيد، أمر سبق، و قضاء حمّ، و غضب من اللّه نفذ!قالت: يا أمير المؤمنين، يمحو اللّه ما يشاء و يثبت و عنده أمّ الكتاب، قال: صدقت. فهذا مما لم يمحه اللّه!فقالت: الغيب محجوب عن النبيين، فكيف عنك يا أمير المؤمنين؟قال سهل بن هارون: فأطرق الرشيد مليا، ثم قال:
و إذا المنيّة أنشبت أظفارها # ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
فقالت بغير روية: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين، و قد قال الأول:
و إذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد # ذخرا يكون كصالح الأعمال
هذا بعد قول اللّه عز و جل: وَ اَلْكََاظِمِينَ اَلْغَيْظَ وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ [٣] . فأطرق هارون مليا، ثم قال: يا أمّ الرشيد، أقول،
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد # إليه بوجه آخر الدّهر تقبل
فقالت: يا أمير المؤمنين، و أقول:
ستقطع في الدّنيا إذا ما قطعتني # يمينك، فانظر أيّ كف تبدّل
قال هارون: رضيت!قالت: فهبه لي يا أمير المؤمنين؛ فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم:
من ترك شيئا للّه لم يوجده اللّه لفقده. فأكب هارون مليا، ثم رفع رأسه يقول: للّه
[١] يحردك: يمنعك.
[٢] ظئرك: زوج مرضعتك.
[٣] سورة آل عمران الآية ١٣٤.