العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٠ - الرشيد و سهل بعد مقتل جعفر
قال سهل: فكنت كمن نشر [١] عن كفن و أخرج من حبس؛ و أحصيت حباءهما فوجدته عشرين ألف ألف دينار، ثم قفلت راجعا إلى بغداد.
و فرّق البرد [٢] إلى الأمصار بقبض أموالهم و غلاتهم، و أمر بجيفة جعفر و جثته ففصلت على ثلاثة جذوع: رأسه في جذع على رأس الجسر مستقبل الصّراة [٣] ، و بعض جسده على جذع بالجزيرة، و سائره في جذع على آخر الجسر الثاني مما يلي باب بغداد.
فلما دنونا من بغداد، طلع الجسر الذي فيه وجه جعفر، و استقبلنا وجهه و استقبلته الشمس؛ فو اللّه لخلتها تطلع من بين حاجبيه؛ فأنا عن يمينه و عبد الملك بن الفضل الحاجب عن يساره، فلما نظر إليه الرشيد-و كأنما قنأ [٤] شعره و طلى بنور بشره-اربدّ [٥] وجهه و أغضى بصره؛ فقال عبد الملك بن الفضل: لقد عظم ذنب لم يسعه أمير المؤمنين!قال الرشيد: من يرد غير مائة يصدر بمثل دائه، و من أراد فهم ذنبه يوشك أن يقوم على مثل راحلته؛ عليّ بالنضاحات [٦] . فنضح عليها حتى احترقت عن آخرها و هو يقول: لئن ذهب أثرك لقد بقي خبرك، و لئن حط قدرك لقد علا ذكرك! قال سهل بن هارون: و أمر بضم أموالهم، فوجد من العشرين ألف ألف التي كانت مبلغ جبايتهم، اثنى عشر ألف ألف مكتوبا على بدرها [٧] صكوك مختومة تفسيرها رقيما حبوا بها. فما كان منها حباء على غريبة، أو استطراف ملحة؛ تصدق به يحيى و أثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها، فكان ديوان إنفاق و اكتساب فائدة.
[١] نشر: بعث.
[٢] البرد: جمع بريد و هي الرسائل.
[٣] الصراة: نهر بالعراق.
[٤] قنأ شعره: سوّده بالخضاب.
[٥] اربدّ وجهه: أحمر.
[٦] النضاحة: آلة تسوى من النحاس للنفط.
[٧] البدر: جمع بدرة، و هي كيس فيه مقدار من المال يتعامل به، و يقدم في العطايا.