العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٩ - عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين
عبد اللّه بجمهور عسكره، فلم يكن لهم فيه إلا صدمة صادقة، أزالوهم بها عن عسكرهم، فلم يقدروا أن يتراجعوا إليه؛ و نظر الفاسق إلى معسكر عبد اللّه الأمير، فإذا بمدد مقبل مثل الليل، في انحدار السيل. لا ينقطع؛ فخشعت نفسه، و عطف إلى الحصن يظهر إخراج من بقي فيه، فثلم [١] ثلمة و خرج منها في خمسة معه، و قد طار بهم جناح الفرار؛ فلما انتهى ذلك إلى أهل عسكره، ولّوا مدبرين لا يلوي أحد على أحد، فعملت الرماح على أكتافهم، و السيوف في طلى [٢] أعناقهم، حتى أفنوهم أو كادوا، و كان منهم جماعة قد افترقوا في عسكر الأمير عبد اللّه، فقعد الأمير في المظلة و أمر بالتقاطهم، و أن لا يمر أحد على أحد منهم إلا قتله. فقتل منهم ألف رجل صبرا بين يدي الأمير.
عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين
ثم ولي الملك القمر الأزهر، الأسد الغضنفر، الميمون النقيبة، [٣] المحمود الضريبة، سيد الخلفاء، و أنجب النجباء، عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين، صبيحة هلال ربيع الأول سنة ثلاثمائة، فقلت فيه:
بدا الهلال جديدا # و الملك غضّ جديد
يا نعمة اللّه زيدي # ما كان فيه مزيد
و هي عدة أبيات، فتولى الملك و هي جمرة تحتدم، و نار تضطرم، و شقاق و نفاق، فأخمد نيرانها، و سكن زلزالها، و افتتحها عودا كما افتتحها بدءا سميّه عبد الرحمن بن معاوية رحمه اللّه.
و قد قلت و قيل في غزواته كلها أشعار قد جالت في الأمصار، و شردت في البلدان، حتى اتهمت و أنجدت و أعرقت، و لو لا أن الناس متكتفون بما في أيديهم منها
[١] ثلم: الشيء: صارت فيه ثلمة؛ و الثلمة: الشق.
[٢] الطلى: جمع طلاة: العنق أو صفحته.
[٣] النقيبة: سجية الرجل و طبيعته.