العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٣٨ - وقعة الحرّة
فخرج حتى قدم المدينة، فخرج إليه أهلها في عدة و هيئة و جموع كثيرة لم ير مثلها؛ فلما رآهم أهل الشام هابوهم و كرهوا قتالهم؛ فأمر مسلم بن عقبة بسريره فوضع بين الصفين و هو عليه مريض و أمر مناديا ينادي: قاتلوا عن أميركم أو دعوه فجدّ الناس في القتال، فسمعوا التكبير من خلفهم في جوف المدينة، فإذا قد اقتحم عليهم بنو حارثة أهل الشام و هم على الجدّ، فانهزم الناس، و عبد اللّه بن حنظلة متساند إلى بعض بنيه يغط نوما، فلما فتح عينيه فرأى ما صنعوا أمر أكبر بنيه! فتقدم حتى قتل، فلم يزل يقدم واحدا واحدا حتى أتي على آخرهم، ثم كسر غمد سيفه، و قاتل حتى قتل! و دخل مسلم بن عقبة المدينة، و تغلب على أهلها، ثم دعاهم إلى البيعة على أنهم خول [١] ليزيد بن معاوية يحكم في دمائهم و أموالهم و أهليهم؛ فبايعوا حتى أتي بعبد اللّه بن زمعة، فقال له: بايع على أنك خول لأمير المؤمنين يحكم في مالك و دمك و أهلك! قال: لن أبايع على أني بزعم أمير المؤمنين يحكم في دمي و مالي و أهلي. فقال مسلم بن عقبة: اضربوا عنقه. فوثب مروان بن الحكم فضمّه إليه و قال: نبايعك على ما أحببت. فقال: لا و اللّه لا أقيلها إياه أبدا؛ إن تنحي و إلاّ فاقتلوهما جميعا، فتركه مروان، و ضرب عنقه.
و هرب عبد اللّه بن مطيع حتى لحق بمكة، فكان بها حتى قتل مع عبد اللّه بن الزبير في أيام عبد الملك بن مروان، و جعل يقاتل أهل الشام و هو يقول:
أنا الذي فررت يوم الحرّه # و الشّيخ لا يفرّ إلاّ مرّة
فاليوم أجزي كرّة بفرّه # لا بأس بالكرّة بعد الفرّه
أبو عقيل الدّورقي قال: سمعت أبا نضرة يحدث، قال: دخل أبو سعيد الخدري يوم الحرّة في غار، فدخل عليه رجل من أهل الشام، و في عنق أبي سعيد السيف،
[١] خول: عبيد و إماء.