العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢١ - بين أم جعفر و الرشيد
و قبض من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف و ستمائة ألف و ستة و سبعين ألفا، إلى سائر ضياعهم و غلاتهم و دورهم و رياشهم و الدقيق و الجليل من مواهبهم، فإنه لا يوصف أقلّه، و لا يعرف أيسره إلا من أحصى الأعمال و عرف منتهى الآجال.
و أبرزت حرمه إلى دار البانوقة ابنة المهدي؛ فو اللّه ما علمته عاش و لا عشن إلا من صدقات من لم يزل متصدقا عليه؛ و ما رأوا مثل موجدة الرشيد فيما يعلم من ملك قبله على أحد ملكه.
بين أم جعفر و الرشيد:
و كانت أم جعفر بن يحيى، و هي فاطمة ابنة محمد بن الحسين بن قحطبة، أرضعت الرشيد مع جعفر؛ لأنه كان ربّي في حجرها و غذي برسلها [١] ، لأن أمه ماتت عن مهده، فكان الرشيد يشاورها مظهرا لإكرامها و التبرّك برأيها، و كان آلى و هو في كفالتها أن لا يحجبها، و لا استشفعته لأحد إلا شفعها، و آلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها، و لا شفعت لأحد لغرض دنيا. قال سهل: فكم أسير فكّت، و مبهم عنده فتحت، و مستغلق منه فرّجت. و احتجب الرشيد بعد قدومه، فطلبت الإذن عليه من دار الباقونة، و متّت بوسائلها إليه؛ فلم يأذن لها و لا أمر بشيء فيها؛ فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها واضعة لثامها محتفية في مشيها، حتى صارت بباب قصر الرشيد؛ فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب، فقال: ظئر [٢]
أمير المؤمنين بالباب، في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى شفقة أم الواحد!فقال الرشيد:
ويحك يا عبد الملك!أ و ساعية؟قال: نعم يا أمير المؤمنين حافية!قال أدخلها يا عبد الملك، فربّ كبد غذتها، و كربة فرجتها، و عورة سترتها!قال سهل: فما شككت يومئذ في النجاة بطلبتها، و إسعافها بحاجتها. فدخلت، فلما نظر الرشيد إليها داخلة محتفية، قام محتفيا حتى تلقّاها بين عمد المجلس، و أكب على تقبيل رأسها و مواضع
[١] الرّسل: الذي فيه لين و استرخاء.
[٢] الظئر: المرضعة.