العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤ - فضائل عمر بن الخطاب
عكرمة عن ابن عباس، قال: بينما أنا أمشي مع عمر بن الخطاب في خلافته و هو عامد لحاجة له و في يده الدّرّة [١] و أنا أمشي خلفه و هو يحدث نفسه و يضرب وحشي [٢] قدميه بدرّته، إذ التفت إليّ فقال: يا ابن عباس، أ تدري ما حملني على مقالتي التي قلت يوم توفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؟قلت: لا. قال: الذي حملني على ذلك أني كنت أقرأ هذه الآية: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [٣] ؛ فو اللّه إن كنت لأظن أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم سيبقى في أمته حتى يشهد علينا بأحنف أعمالنا؛ فهو الذي دعاني إلى ما قلت.
ابن دأب قال: قال ابن عباس: خرجت أريد عمر في خلافته، فألفيته راكبا على حمار قد أرسنه بحبل أسود، و في رجليه نعلان مخصوفتان. و عليه إزار قصير، و قميص قصير قد انكشفت منه ساقاه؛ فمشيت إلى جنبه و جعلت أجبذ الإزار عليه، فجعل يضحك و يقول: إنه لا يطيعك. حتى أتى العالية، فصنع له قوم طعاما من خبز و لحم فدعوه إليه، و كان عمر صائما، فجعل ينبذ [٤] إليّ الطعام و يقول: كل لي و لك! و من حديث ابن وهب عن الليث بن سعد، أن أبا بكر لم يكن يأخذ من بيت المال شيئا و لا يجري عليه من الفيء درهما، إلا أنه استلف منه مالا، فلما حضرته الوفاة أمر عائشة بردّه. و أما عمر بن الخطاب فكان يجري على نفسه درهمين كل يوم. فلما ولي عمر بن عبد العزيز قيل له: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب!قال:
كان عمر لا مال له، و أنا مالي يغنيني. فلم يأخذ منه شيئا.
أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال عمر و قام على الرّدم [٥] : أين حقّك يا أبا سفيان مما هنا؟قال: ما تحت قدميك إليّ. قال: طالما كنت قديم الظلم!ليس لأحد فيما وراء قدمي حق، و إنما هي منازل الحاج
[١] الدّرة: السوط يضرب به.
[٢] الوحشيّ الجانب الأيمن من كل شيء.
[٣] سورة البقرة الآية ١٤٣.
[٤] ينبذ: أي يدفع.
[٥] الردم: موضع بمكة.