العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٥ - أخبار سليمان بن عبد الملك
فلما مات عمر بن عبد العزيز ولاه يزيد بن عبد الملك أفريقية و أنا فيها، فأخذت فأتي به إليه في شهر رمضان عند الليل، فقال: محمد بن يزيد؟قلت: نعم. قال: الحمد للّه الذي مكنني منك بلا عهد و لا عقد، فطالما سألت اللّه أن يمكنني منك!قلت: و أنا و اللّه طالما استعذت باللّه منك!قال: فو اللّه ما أعاذك اللّه مني، و لو أنّ ملك الموت سابقني إليك لسبقته!قال: فأقيمت صلاة المغرب، فصلى ركعة فثارت عليه الجند فقتلوه، و قالوا لي: خذ إلى الطريق أيّ طريق شئت.
و أراد سليمان بن عبد الملك أن يحجر على يزيد بن عبد الملك، و ذلك أنّه تزوّج سعدى بنت عبد اللّه بن عمرو بن عثمان فأصدقها عشرين ألف دينار، و اشترى جارية بأربعة آلاف دينار؛ فقال سليمان: لقد هممت أن أضرب على يد هذا السفيه، و لكن كيف أصنع بوصية أمير المؤمنين بابني عاتكة: يزيد و مروان؟ و حبس سليمان بن عبد الملك، موسى بن نصير، و أوحى إليه: اغرم [١] ديتك خمسين مرة!فقال موسى: ما عندي ما أغرمه. فقال: و اللّه لتغرمنّها مائة مرة فحملها عنه يزيد بن المهلب، و شكر ما كان من موسى إلى أبيه المهلب أيام بشر بن مروان؛ و ذلك أن بشرا هم بالمهلب؛ فكتب إليه موسى يحذّره، فتمارض المهلب و لم يأته حين أرسل إليه.
و كان خالد بن عبد اللّه القسري واليا على المدينة للوليد ثم أقرّه سليمان؛ و كان قاضي مكة طلحة بن هرم؛ فاختصم إليه رجل من بني شيبة الذين إليهم مفتاح الكعبة يقال له الأعجم، مع ابن أخ له في أرض لهما، فقضى للشيخ على ابن أخيه، و كان متصلا بخالد بن عبد اللّه، فأقبل إلى خالد فأخبره؛ فحال خالد بين الشيخ و بين ما قضى له القاضي؛ فكتب القاضي كتابا إلى سليمان يشكو له خالدا. و وجّه الكتاب إليه مع محمد بن طلحة؛ فكتب سليمان إلى خالد: لا سبيل لك على الأعجم و لا ولده.
فقدم محمد بن طلحة بالكتاب على خالد و قال لا سبيل لك علينا؛ هذا كتاب أمير
[١] أغرم ديتك: التزم دفعها.