العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٠٣ - عبد الملك و الحجاج و عروة ابن الزبير
عبد الملك و الحجاج و عروة ابن الزبير:
كان عروة بن الزبير عاملا على اليمن لعبد الملك بن مروان، فاتصل به أن الحجاج مجمع على مطالبته بالأموال التي بيده و عزله عن عمله؛ ففر إلى عبد الملك و عاذ به تخوّفا من الحجاج و استدفاعا لضرره و شرّه؛ فلما بلغ ذلك الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان:
أما بعد فإن لواذ المعترضين بك، و حلول الجانحين إلى المكث بساحتك، و استلانتهم دمث [١] أخلاقك و سعة عفوك، كالعارض المبرق لأعدائه لا يعدم له شائما، رجاء استمالة عفوك؛ و إذا أدني الناس بالصفح عن الجرائم، كان ذلك تمرينا لهم على إضاعة الحقوق مع كل وال و الناس عبيد العصا، هم على الشدة أشدّ استباقا منهم على اللين، و لنا قبل عروة بن الزبير مال من مال اللّه، و في استخراجه منه قطع لطمع غيره، فليبعث به أمير المؤمنين إن رأى ذلك، و السلام.
فلما قرأ الكتاب، بعث إلى عروة ثم قال له: إن كتاب الحجاج قد ورد فيك، و قد أبى إلا إشخاصك إليه. ثم قال لرسول الحجاج: شأنك به. فالتفت إليه عروة مقبلا عليه، و قال: أما و اللّه ما ذلّ و خزي من مات، و لكن ذل و خزي من ملكتموه؛ و اللّه لئن كان الملك بجواز الأمر و نفاذ النهي، إن الحجاج لسلطان عليك، ينفذ أموره دون أمورك؛ إنك لتريد الأمر يزينك عاجله و يبقى لك أكرومة [٢] آجله، فيجذبك عنه و يلقاه دونك، ليتولى من ذلك الحكم فيه، فيحظى بشرف عفو إن كان، أو يجرم عقوبة إن كانت، و ما حاربك من حاربك إلا على أمر هذا بعضه.
قال: فنظر في كتاب الحجاج مرة و رفع بصره إلى عروة تارة، ثم دعا بدواة و قرطاس فكتب إليه:
أما بعد، فإن أمير المؤمنين رآك مع ثقته بنصيحتك، خابطا في السياسة خبط
[١] دمث الأخلاق: سهلها و لينها.
[٢] الأكرومة: الفعلة الكريمة.