العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٠٢ - الحجاج و الوليد و أم البنين
يوسف. فأعادت الرسول إليه تقول: و اللّه لأن يخلو بك ملك الموت أحبّ إليّ من أن يخلو بك الحجاج!فأخبره الوليد بذلك و هو يمازحه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة، و ليست بقهرمانة [١] ؛ فلا تطلعها على سرك و مكايدة عدوك. فلما دخل الوليد عليها أخبرها بمقالة الحجاج؛ فقالت: يا أمير المؤمنين، حاجتي أن تأمره غدا يأتيني مستلئما [٢] . ففعل ذلك؛ فأتاها الحجاج فحجبته، فلم يزل قائما؛ ثم قالت له: إيه يا حجاج!أنت الممتنّ على أمير المؤمنين بقتلك عبد اللّه بن الزبير و ابن الأشعث؟أما و اللّه لو لا أن اللّه علم أنك من شرار خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة، و قتل ابن ذات النطاقين، أول مولود ولد في الإسلام؛ و أما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء و بلوغ أوطاره منهن؛ فإن كن ينفرجن عن مثلك فما أحقه بالأخذ عنك، و إن كن ينفرجن عن مثله فغير قابل لقولك: أما و اللّه لقد نقض نساء أمير المؤمنين الطيب عن غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من الفرق [٣] ، قد أظللتك رماحهم، و أثخنك كفاحهم؛ و حين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من آبائهم و أبنائهم؛ فما نجّاك اللّه من عدو أمير المؤمنين إلا بحبهم إياه، و للّه در القائل إذ نظر إليك و سنان غزالة [٤] بين كتفيك:
أسد عليّ و في الحروب نعامة # ربواء تجفل من صفير الصافر [٥]
هلا برزت إلى غزالة في الوغى # بل كان قلبك في مخالب طائر
صدعت غزالة جمعه بعساكر # تركت كتائبه كأمس الدابر
ثم قالت: أخرج!فخرج مذموما مدحورا.
[١] قهرمانه: مدبّرة البيت و متولية شئونه. و القهرمان: المسيطر الحفيظ على ما تحت يديه.
[٢] استلأم: لبس لأمته، و اللأمة: أداة الحرب كلها.
[٣] الفرق: الشديد الفزع.
[٤] يريد غزالة الحرورية.
[٥] ربأ في مشيته: تثاقل في مشيه.