العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٧ - المنذر بن محمد
و إن طحنت أركانه كان قطبها # حجى ملك نجد شمائله عفّ
سميّ ختام الأنبياء محمد # إذا وصف الأملاك جلّ عن الوصف
فمن أجله يوم الثلاثاء غدوة # و قد نقض الإصباح عقد عرى السجف [١]
بكى جبلا وادي سليط فأعولا # على النفر العبدان و العصبة الغلف [٢]
دعاهم صريخ الحين فاجتمعوا له # كما اجتمع الجعلان للبعر في قفّ [٣]
فما كان إلاّ أن رماهم ببعضها # فولّوا على أعقاب مهزومة كشف [٤]
كأنّ مساعير الموالي عليهم # شواهين جادت للغرانيق بالسّيف [٥]
بنفسي تنانير الوغى حين صمّمت # إلى الجبل المشحون صفّا على صفّ
يقول ابن بليوس لموسى و قد ونى # أرى الموت قدّامي و تحتي و من خلفي
قتلناهم ألفا و ألفا و مثلها # و ألفا و ألفا بعد ألف إلى ألف
سوى من طواه النهر في مستلجّه # فأغرق فيه أو تدأدأ من جرف [٦]
المنذر بن محمد
ثم ولي المنذر بن محمد، يوم الأحد لثلاث خلون من ربيع الأول سنة ثلاث و سبعين و مائتين. و مات يوم السبت في غزاة له على ببشتر [٧] لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة خمس و سبعين و مائتين، و هو ابن ست و أربعين سنة.
و كان أشدّ الناس شكيمة، و أمضاهم عزيمة؛ و لما ولي الملك بعث إليه أهل طليطلة بجبايتهم كاملة، فردّها عليهم و قال: استعينوا بها في حربكم، فأنا سائر إليكم إن شاء اللّه.
[١] السّجف: أحد السترين المقرونين بينهما فرجة.
[٢] الغلف: جمع أغلف، و هو الذي لا يعي.
[٣] الجعل: الدويبة. و القفّ: ما ارتفع من الأرض.
[٤] الكشف: المهزومون في الحرب.
[٥] الشواهين: من سباع الطير. و الغرنوق: طير أبيض من طير الماء.
[٦] تدأدأ: تدحرج.
[٧] ببشتر: حصن بالأندلس بينه و بين قرطبة ثلاثون فرسخا.