العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٣ - وفاة معاوية
فما نبالي إذا بلّغن أرحلنا # ما مات منهنّ بالموماة أو ظلعا
أودى ابن هند و أودى المجد يتبعه # كذاك كنّا جميعا قاطنين معا
أغرّ أبلج يستسقى الغمام به # لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا
لا يرقع الناس ما أوهى و لو جهدوا # أن يرقعوه، و لا يوهون ما رقعا
قال محمد بن عبد الحكم: قال الشافعي: سرق هذين البيتين من الأعشى.
ابن دأب قال: لما هلك معاوية خرج الضحاك بن قيس الفهري و على عاتقه ثياب حتى وقف إلى جانب المنبر، ثم قال:
أيها الناس، إن معاوية كان إلف العرب و ملكها؛ فأطفأ اللّه به الفتنة و أحيا به السنة، و هذه أكفانه، و نحن مدرجوه فيها و مخلّون بينه و بين ربه؛ فمن أراد حضوره صلاة الظهر فليحضره.
و صلّى عليه الضحاك بن قيس الفهري، ثم قدم يزيد من يومه ذلك، فلم يقدم أحد على تعزيته حتى دخل عليه عبد اللّه بن همام السلولي فقال:
اصبر يزيد فقد فارقت ذا مقة # و اشكر حباء الذي بالملك حاباكا [١]
لا رزء أعظم في الأقوام قد علموا # ممّا رزئت و لا عقبي كعقباكا [٢]
أصبحت راعي أهل الأرض كلّهم # فأنت ترعاهم و اللّه يرعاكا
و في معاوية الباقي لنا خلف # إذا نعيت و لا نسمع بمنعاكا
فافتتح الخطباء الكلام.
ثم دخل يزيد فأقام ثلاثة أيام لا يخرج للناس، ثم خرج و عليه أثر الحزن، فصعد المنبر، و أقبل الضحاك فجلس إلى جانب المنبر، و خاف عليه الحصر، فقال له يزيد:
يا ضحاك، أ جئت تعلّم بني عبد شمس الكلام؟ثم قام خطيبا فقال:
[١] المقة: المحبة.
[٢] الرزء: المصيبة.