العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٩ - احتجاج عليّ على أهل النهروان
أيها الناس، إن هذا الأمر كان النظر فيه إلى علي و الرضا إلى غيره، فجئتم إلى عبد اللّه بن قيس مبرنسا فقلتم، لا نرضى إلا به. و ايم اللّه ما استفدنا به علما، و لا انتظرنا منه غائبا، و ما نعرفه صاحبا، و ما أفسدا بما فعلا أهل العراق، و ما أصلحا أهل الشام، و لا رفعا حقّ علي، و لا وضعا باطل معاوية، و لا يذهب الحقّ رقية [١]
راق، و لا نفخة شيطان، و نحن اليوم على ما كنا عليه أمس.
احتجاج عليّ على أهل النهروان
قالوا: إن عليا لما اختلف عليه أهل النهروان و القرى و أصحاب البرانس، و نزلوا قرية يقال لها حروراء، و ذلك بعد وقعة الجمل، فرجع إليهم علي بن أبي طالب فقال لهم: يا هؤلاء، من زعيمكم؟قالوا: ابن الكواء. قال: فليبرز إلي. فخرج إليه ابن الكواء، فقال له عليّ: يا بن الكواء، ما أخرجكم علينا بعد رضاكم بالحكمين، و مقامكم بالكوفة؟قال: قاتلت بنا عدوّا لا نشك في جهاده، فزعمت أن قتلانا في الجنة و قتلاهم في النار، فبينما نحن كذلك، إذ أرسلت منافقا، و حكّمت كافرا، و كان مما شكك في أمر اللّه أن قلت للقوم حين دعوتهم: كتاب اللّه بيني و بينكم، فإن قضى عليّ بايعتكم، و إن قضى عليكم بايعتموني. فلو لا شكّك لم تفعل هذا و الحقّ في يدك. فقال عليّ: يا بن الكواء، إنما الجواب بعد الفراغ؛ أ فرغت فأجيبك؟قال: نعم. قال علي: أما قتالك معي عدّوا لا تشك في جهاده فصدقت، و لو شككت فيهم لم أقاتلهم؛ و أما قتلانا و قتلاهم، فقد قال اللّه في ذلك ما يستغنى به عن قولي؛ و أما إرسالي المنافق و تحكيمي الكافر، فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسا، و معاوية حكّم عمرا، أتيت بأبي موسى مبرنسا، فقلت: لا نرضى إلا أبا موسى!فهلا قام إلى رجل منكم فقال: يا علي، لا تعط هذه الدنية فإنها ضلالة؟و أما قولي لمعاوية: إن جرّني إليك كتاب اللّه تبعتك، و إن جرك إليّ تبعتني؛ زعمت أني لم أعط ذلك إلا من شك، فقد علمت أن أوثق ما في يديك هذا الأمر، فحدّثني ويحك عن
[١] الرقية: العوذة التي يرقى بها المريض و نحوه