العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٨ - مقتل مصعب بن الزبير
أيها الناس، إنّ عبد الملك بن مروان قتل لطيم الشيطان كَذََلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ اَلظََّالِمِينَ بَعْضاً بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ [١] .
مقتل مصعب بن الزبير
فلما استقرّت البيعة لعبد الملك بن مروان أراد الخروج إلى مصعب بن الزبير، فجعل يستنفر أهل الشام فيبطئون عليه، فقال له الحجاج بن يوسف: سلّطني عليهم، فو اللّه لأخرجنّهم معك!قال له: قد سلطتك عليهم. فكان الحجاج لا يمرّ على باب رجل من أهل الشام قد تخلف عن الخروج إلا أحرق عليه داره. فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا.
و سار عبد الملك حتى دنا من العراق، و خرج مصعب بأهل البصرة و الكوفة، فالتقوا بين الشام و العراق؛ و قد كان عبد الملك كتب كتبا إلى رجال من وجوه أهل العراق يدعوهم فيها إلى نفسه و يجعل لهم الأموال، و كتب إلى إبراهيم بن الأشتر بمثل ذلك، على أن يخذلوا مصعبا إذا التقوا؛ فقال إبراهيم بن الأشتر لمصعب: إنّ عبد الملك قد كتب إليّ هذا الكتاب، و قد كتب إلى أصحابي بمثل ذلك، فادعهم الساعة فاضرب أعناقهم. قال: ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي أمرهم. قال:
فأخرى... قال: ما هي؟قال: احبسهم حتى يستبين لك ذلك. قال: ما كنت لأفعل. قال: فعليك السلام، و اللّه لا تراني بعد في مجلسك هذا أبدا. و قد كان قال له: دعني أدعو أهل الكوفة بما شرطه اللّه. فقال: لا و اللّه، قتلتهم أمس و أستنصر بهم اليوم. قال: فما هو إلا أن التقوا فحوّلوا وجوههم و صاروا إلى عبد الملك؛ و بقي مصعب في شرذمة قليلة، فجاءه عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان-و كان مع مصعب- فقال: أين الناس أيها الأمير؟فقال: قد غدرتم يا أهل العراق. فرفع عبيد اللّه السيف ليضرب مصعبا، فبدره مصعب فضربه بالسيف على البيضة [٢] ، فنشب السيف في
[١] سورة الأنعام الآية ١٢٩.
[٢] البيضة: الخوذة.