العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٦ - مقتل عمرو بن سعيد الأشدق
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه # حصان عليها نظم در يزينها [١]
نهته فلما لم تر النّهي عاقه # بكت فبكى مما دهاها قطينها [٢]
ثم خرج يريد مصعب، فلما كان من دمشق على ثلاث مراحل أغلق عمرو بن سعيد دمشق و خالف عليه، قيل له: ما تصنع؟أ تريد العراق و تدع دمشق؟أهل الشام أشدّ عليك من أهل العراق!فرجع مكانه فحاصر أهل دمشق حتى صالح عمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده و أن له مع كل عامل عاملا، ففتح له دمشق، و كان بيت المال بيد عمرو بن سعيد، فأرسل إليه عبد الملك أن أخرج للحرس أرزاقهم فقال:
إذا كان لك حرس فإن لنا حرسا أيضا!فقال عبد الملك: أخرج لحرسك أيضا أرزاقهم!فلما كان يوم من الأيام أرسل عبد الملك إلى عمرو بن سعيد نصف النهار أن ائتني أبا أمية حتى أدبر معك أمورا. فقالت له امرأته. يا أبا أمية، لا تذهب إليه؛ فإنني أتخوّف عليك منه!فقال: أبو الذباب!و اللّه لو كنت نائما ما أيقظني! قالت: و اللّه ما آمنه عليك، و إني لأجد ريح دم مسفوح. فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه فشجها، فخرج و خرج معه أربعة آلاف من أبطال أهل الشام الذين لا يقدر على مثلهم مسلّحين، فأحدقوا بخضراء دمشق و فيها عبد الملك، فقالوا: يا أبا امية، إن رابك ريب فأسمعنا صوتك، قال: فدخل فجعلوا يصيحون: أبا أمية أسمعنا صوتك، و كان معه غلام أسحم شجاع، فقال له: اذهب إلى الناس فقل لهم:
ليس عليه بأس. فقال له عبد الملك: أ مكرا عند الموت أبا أمية؟خذوه. فأخذوه.
فقال له عبد الملك: إني أقسمت إن أمكنتني منك يد أن أجعل في عنقك جامعة [٣] ، و هذه جامعة من فضة أريد أن أبرّ بها قسمي!قال: فطرح في رقبته الجامعة، ثم طرحه إلى الأرض بيده فانكسرت ثنيته [٤] ؛ فجعل عبد الملك ينظر إليه، فقال عمرو: لا عليك يا أمير المؤمنين، عظم انكسر!قال: و جاء المؤذنون فقالوا: الصلاة
[١] حصان: عفيفة.
[٢] القطين: الإماء و الخدم و الأتباع.
[٣] الجامعة: الغلّ.
[٤] الثنيّة: إحدى الأسنان الأربع التي في مقدم الفم.