العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٦ - مقتل عبد اللّه بن الزبير
فقبّل رأسها و ودعها، و ضمته إلى نفسها، ثم خرج من عندها فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
أيها الناس، إن الموت قد تغشّاكم سحابه، و أحدق بكم ربابه [١] ، و اجتمع بعد تفرّق، و ارجحنّ بعد تمشّق، و رجس [٢] نحوكم رعده، و هو مفرغ عليكم ودقه [٣] ، و قائد إليكم البلايا تتبعها المنايا، فاجعلوا السيوف لها غرضا، و استعينوا عليها بالصبر. و تمثل بأبيات، ثم اقتحم يقاتل و هو يقول:
قد جدّ أصحابك ضرب الأعناق # و قامت الحرب لها على ساق
ثم جعل يقاتل وحده و لا يهدّه شيء، كلما اجتمع عليه القوم فرّقهم و ذادهم، حتى أثخن بالجراحات و لم يستطع النهوض، فدخل عليه الحجاج فدعا بالنطع فحز رأسه هو بنفسه في داخل مسجد الكعبة، لا رحم اللّه الحجاج!ثم بعث برأسه إلى عبد الملك بن مروان، و قتل من أصحابه من ظفر به؛ ثم أقبل فاستأذن على أمه أسماء بنت أبي بكر ليعزيها، فأذنت له، فقالت له: يا حجاج، قتلت عبد اللّه؟قال: يا ابنة أبي بكر، إني قاتل الملحدين. قالت: بل قاتل المؤمنين الموحدين. قال لها: كيف رأيت ما صنعت بابنك؟قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه و أفسد عليك آخرتك، و لا ضير أن أكرمه اللّه على يديك، فقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل! هشام بن عروة عن أبيه قال: كان عثمان استخلف عبد اللّه بن الزبير على الدار يوم الدار، فبذلك ادّعى ابن الزبير الخلافة.
محمد بن سعيد قال: لما نصب الحجاج راية الأمان و تصرّم الناس عن ابن الزبير، قال لعبد اللّه بن صفوان: قد أقلتك بيعتي و جعلتك في سعة [٤] ، فخذ لنفسك أمانا.
[١] الرباب: السحاب الأبيض.
[٢] رجس: اشتد.
[٣] الودق: المطر.
[٤] السعة: الدعة و الغنى و الرفاهية.