العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩٥ - عبد الملك و الحجاج و أنس
كيف يرجون سقاطي بعد ما # شمل الرأس مشيب و صلع
كتب الوليد إلى الحجاج. أن صف لي سيرتك، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي، و أنمت هواي، فأدنيت السيد المطاع في قومه، و وليت الحرب الحازم في أمره، و قلدت الخراج الموفّر لأمانته، و صرفت السيف إلى النّطف [١] المسيء، و الثواب إلى المحسن البريء؛ فخاف المريب صولة العقاب، و تمسك المحسن بحظه من الثواب.
الحجاج و قارئ
قرأ الحجاج في سورة هود: قََالَ يََا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ [٢] ؛ فلم يدر كيف يقرأ: عمل بالضم و التنوين، أو عمل بالفتح؛ فبعث حرسيّا فقال: ائتني بقارئ. فأتى به و قد ارتفع الحجاج عن مجلسه، فحبسه و نسيه حتى عرض الحجاج حبسه بعد ستة أشهر؛ فلما انتهى إليه قال له: فيم حبست؟قال:
في ابن نوح، أصلح اللّه الأمير!فأمر بإطلاقه.
عبد الملك و الحجاج و أنس:
إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثني سعيد بن جويرية قال: خرجت خارجة على الحجاج بن يوسف، فأرسل إلى أنس بن مالك يخرج معه، فأبى، فكتب إليه يشتمه، فكتب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان يشكوه و أدرج كتاب الحجاج في جوف كتابه.
قال إسماعيل بن عبد اللّه بن أبي المهاجر: بعث إليّ عبد الملك بن مروان في ساعة لم يكن يبعث إليّ في مثلها، فدخلت عليه و هو أشدّ ما كان حنقا و غيظا، فقال: يا إسماعيل: ما أشدّ عليّ أن تقول الرعية: ضعف أمير المؤمنين، و ضاق ذرعه في رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلم!لا يقبل له حسنة، و لا يتجاوز له عن سيئة، فقلت: و ما ذاك يا أمير المؤمنين قال أنس بن مالك: خادم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، كتب إليّ يذكر أنّ
[١] النطف: الرجل المريب.
[٢] سورة يونس الآية ٤٦.