العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩٣ - الحجاج و الشعبي
عن الكمأة أماكنها؛ و أصابتني سحابة بالقريتين. فقاءت الأرض بعد الريّ، و امتلأت الأخاديد [١] ، و أفعمت الأودية، و جئتك في مثل و جار [٢] الضبع.
ثم قال: ائذن. فدخل رجل من بني أسد، فقال: هل وراءك من غيث؟قال: لا، كثر و اللّه الإعصار، و أغبرت البلاد، و أيقنّا أنه عام سنة [٣] . قال: بئس المخبر أنت.
قال: أخبرتك الذي كان.
ثم قال: ائذن. فدخل رجل من أهل اليمامة، قال: هل وراءك من غيث؟قال:
نعم، سمعت الروّاد يدعون إلى الماء، و سمعت قائل يقول: هلم ظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران، و تشتكي فيها النساء، و تنافش فيها المعزى. قال الشعبي: فلم يدر الحجاج ما قال، فقال له: تبّا لك. إنما تحدّث أهل الشام فأفهمهم. قال: أصلح اللّه الأمير، أخصب الناس، فكثر التمر و السمن و الزبد و اللبن، فلا توقد نار يختبز بها؛ و أمّا تشكى النساء، فإنّ المرأة تظل تربق [٤] بهمها، و تمخض لبنها، فتبيت: و لها أنين من عضدها و أمّا تنافش [٥] المعزى، فإنها ترى من أنواع التّمر و أنواع الشجر و نور النبات، ما يشبع بطونها و لا يشبع عيونها، فتبيت و قد امتلأت أكراشها، و لها من الكظة [٦] جرّة، فتبقى الجرّة حتى تستنزل الدرّة.
ثم قال: ائذن. فدخل رجل من الموالي كان من أشدّ الناس في ذلك الزمان، فقال له: هل وراءك من غيث؟قال: نعم، و لكني لا أحسن أن أقول ما يقول هؤلاء.
قال: فما تحسن؟قال: أصابتني سحابة بحلوان، فلم أزل أطأ في آثارها حتى دخلت عليك. فقال: لئن كنت أقصرهم في المطر خطبة، إنك لأطولهم بالسيف خطوة.
[١] الأخدود: الشق المستطيل في الأرض.
[٢] الوجار: حجر الضبع و الأسد و الذئب.
[٣] سنة: جدب.
[٤] تربق: تجعل رأسه في الربقة.
[٥] تنافش: تفرق.
[٦] الكظة: البطنة.