العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩٢ - الحجاج و الشعبي
المسلك، و خبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، و لا فجرة أقوياء!قال: صدق و اللّه، ما برّوا بخروجهم علينا، و لا قووا؛ أطلقوا عنه. فاحتاج إليّ في فريضة بعد ذلك، فأرسل إليّ فقال: ما تقول في أم و أخت و جد؟فقلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و سلم: عبد اللّه بن مسعود، و عليّ، و عثمان و زيد، و ابن عباس. قال: فما قال فيها ابن عباس، إن كان لمنقبا [١] . قلت: جعل الجد أبا و لم يعط الأخت شيئا، و أعطى الأمّ الثلث. قال: فما قال فيها ابن مسعود؟قلت جعلها من ستة، فأعطى الجدّ ثلاثة، و أعطى الأمّ اثنين، و أعطى الأخت سهما. قال: فما قال زيد؟قلت: جعلها من تسعة، فأعطى الأمّ ثلاثة، و أعطى الجدّ أربعة، و أعطى الأخت اثنين؛ فجعل الجد معها أخا. قال: فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان؟قلت: جعلها أثلاثا. قال: فما قال فيها أبو تراب؟قلت: جعلها من ستة، فأعطى الأخت ثلاثة، و أعطى الأم اثنين و أعطى الجد سهما، قال: مر القاضي فليمضها على ما أمضاها أمير المؤمنين.
... فبينما أنا عنده إذ جاءه الحاجب فقال له: إن بالباب رسلا. فقال: ائذن لهم.
قال: فدخلوا، و عمائمهم على أوساطهم، و سيوفهم على عواتقهم، و كتبهم بأيمانهم، و جاء رجل من بني سليم يقال له شبابة بن عاصم، فقال له: من أين؟قال: من الشام، قال:
كيف تركت أمير المؤمنين؟و كيف تركت حشمه؟فأخبره، قال: هل وراءك من غيث؟قال: نعم، أصابتني فيما بيني و بين الأمير ثلاث سحائب. قال: فانعت لي، كيف كان وقع المطر و تباشيره؟قال: أصابتني سحابة بحوّارين [٢] ، فوقع قطر صغار و قطر كبار، فكانت الصغار لحمة للكبار؛ و وقع نشيطا و متداركا، و هو السّيح [٣]
الذي سمعت به، فؤاد سائل، و واد نازح؛ و أرض مقبلة، و أرض مدبرة. و أصابتني سحابة بسراء [٤] فلبّدت الدّماث [٥] ، و أسالت العزاز [٦] ، و أدحضت التلاع، و صدعت
[١] المنقب: العالم بالأشياء، الكثير البحث و التنقيب.
[٢] حوارين: من قرى حلب.
[٣] السيح: الجاري الظاهر.
[٤] البسراء: التي أمطرت قبل أوانها.
[٥] الدماث: جمع دمث: و هي المكان السهل اللين.
[٦] العزاز: الأرض الصلبة.