العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٧ - يوم الجمل
من السابق، يقال: كاد أو لحق؛ و قد بلغك الذي كان في الإسلام من مصاب عثمان ابن عفان؛ و نحن قادمون عليك، و العيان أشفى لك من الخبر. فإذا أتاك كتابي هذا فثبّط [١] الناس عن علي بن أبي طالب، و كن مكانك حتى يأتيك أمري، و السلام.
فكتب إليها:
من زيد بن صوحان إلى عائشة أم المؤمنين، سلام عليك؛ أما بعد، فإنك أمرت بأمر و أمرنا بغيره: أمرت أن تقرّي في بيتك، و أمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة؛ فتركت ما أمرت به؛ و كتبت تنهيننا عما أمرنا به، و السلام.
و خطب علي رضي اللّه عنه بأهل الكوفة يوم الجمل إذا أقبلوا إليه مع الحسن بن علي، فقام فيهم خطيبا فقال:
الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على محمد خاتم النبيين و آخر المرسلين؛ أما بعد؛ فإن اللّه بعث محمدا صلّى اللّه عليه و سلم إلى الثقلين كافة، و الناس في اختلاف؛ و العرب بشرّ المنازل، مستضعفون لما بهم، فرأب اللّه به الثأي، و لأم به الصدع، و رتق به الفتق، و أمّن به السبيل، و حقن به الدماء، و قطع به العداوة الموغرة للقلوب، و الضغائن المشحنة [٢] للصدور؛ ثم قبضه اللّه تعالى مشكورا سعيه. مرضيا عمله، مغفورا ذنبه، كريما عند اللّه نزله؛ فيا لها مصيبة عمت المسلمين، و خصت الأقربين، و ولي أبو بكر، فسار فينا بسيرة رضا، رضي بها المسلمون؛ ثم ولي عمر، فسار بسيرة أبي بكر رضي اللّه عنهما؛ ثم ولي عثمان، فنال منكم و نلتم منه؛ ثم كان من أمره ما كان، فأتيتموه فقتلتموه، ثم أتيتموني فقلتم: لو بايعتنا!فقلت: لا أفعل، و قبضت يدي فبسطتموها، و نازعتكم كفي فجذبتموها، و قلتم: لا نرضى إلا بك، و لا نجتمع إلا عليك، و تداككتم عليّ تداكك [٣] الإبل الهيم [٤] على حياضها يوم ورودها، حتى
[١] ثبّط: عوّق و بطأ.
[٢] المشحنة: الموغرة.
[٣] التداكك: الازدحام.
[٤] الهيم: جمع الأهيم، و هو العطشان.