العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٨ - يوم الجمل
ظننت أنكم قاتليّ و أن بعضكم قاتل بعضا فبايعتموني، و بايعني طلحة و الزبير، ثم ما لبثا أن استأذناني إلى العمرة، فسارا إلى البصرة فقاتلا بها المسلمين، و فعلا بها الأفاعيل و هما يعلمان و اللّه أني لست بدون من مضى، و لو أشاء أن أقول لقلت؛ اللهم إنهما قطعا قرابتي، و نكثا بيعتي و ألّبا عليّ عدوّي؛ اللهم فلا تحكم لهما ما أبرما، و أرهما المساءة فيما عملا و أمّلا! و أملى علي بن محمد عن مسلمة بن محارب، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب، عن أبي الأسود عن أبيه، قال: خرجت مع عمران بن حصين و عثمان بن حنيف إلى عائشة فقلنا: يا أمّ المؤمنين، أخبرينا عن مسيرك هذا: عهد عهده إليك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، أم رأى رأيتيه؟قالت: بل رأي رأيته حين قتل عثمان بن عفان، إنا نقمنا عليه ضربه بالسوط، و مواضع من الحمى حماها، و إمرة سعيد الوليد، فعدوتم عليه فاستحللتم منه الثلاث الحرم: حرمة البلد، و حرمة الخلافة، و حرمة الشهر الحرام؛ بعد أن مصتموه كما يماص [١] الإناء فغضبنا لكم من سوط عثمان؛ و لا نغضب لعثمان من سيفكم؟!قلنا: ما أنت و سيفنا و سوط عثمان، و أنت حبيس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؟ أمرك أن تقرّي في بيتك، فجئت تضربين الناس بعضهم ببعض!قالت: و هل أحد يقاتلني أو يقول غير هذا؟قلنا: نعم. قالت: و من يفعل ذلك؟هل أنت مبلغ عني يا عمران؟قال: لست مبلغا عنك حرفا واحدا. قلت: لكني مبلّغ عنك، فهات ما شئت قالت: اللهم اقتل مذمّما قصاصا بعثمان، و ارم الأشتر بسهم من سهامك لا يشوى، و أدرك عمارا بخفره [٢] بعثمان.
أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد اللّه بن إدريس عن حصين عن الأحنف بن قيس، قال: قدمنا المدينة و نحن نريد الحج، فانطلقت فأتيت طلحة و الزبير، فقلت:
إني لا أرى هذا إلا مقتولا، فمن تأمراني به كما ترضيانه لي؟قالا: نأمرك بعليّ.
قلت: فتأمراني به و ترضيانه لي؟قالا: نعم. قال: ثم انطلقت حتى أتيت مكة، فبينما
[١] الموص: غسل ليّن، و الدلك باليد.
[٢] يقال: خفر به، إذا نقض عهده و غدره.