العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٠ - مقتل طلحة
فكان إذا أمسكوه فتر الدم، و إذا تركوه انفجر؛ فقال لهم: اتركوه، فإنما هو سهم أرسله اللّه! حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: قال طلحة يوم الجمل:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا # طلبت رضا بني حزم برغمي [١]
اللهم خذ مني لعثمان حتى يرضى! و من حديث أبي بكر بن أبي شيبة قال: لما رأى مروان بن الحكم يوم الجمل طلحة بن عبيد اللّه، قال: لا أنتظر بعد اليوم بثأري في عثمان!فانتزع [٢] له سهما فقتله.
و من حديث سفيان الثوري قال: لما انقضى يوم الجمل خرج عليّ بن أبي طالب في ليلة ذلك اليوم و معه مولاه و بيده شمعة يتصفح وجوه القتلى، حتى وقف على طلحة ابن عبيد اللّه في بطن واد متعفرا، فجعل يمسح الغبار عن وجهه و يقول: أعزز عليّ يا أبا محمد أن أراك متعفرا تحت نجوم السماء و في بطون الأودية، إنا للّه و إنا إليه راجعون!أشقيت نفسي، و قتلت معشري!إلى اللّه أشكو عجري و بجري [٣] !ثم قال: و اللّه إني لأرجو أن أكون أنا و عثمان و طلحة و الزبير من الذين قال اللّه فيهم:
وَ نَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوََاناً عَلىََ سُرُرٍ مُتَقََابِلِينَ [٤] . و إذا لم نكن نحن فمن هم؟ أبو إدريس عن ليث بن طلحة عن مطرف أن علي بن أبي طالب أجلس طلحة يوم الجمل و مسح الغبار عن وجهه و بكى عليه! و من حديث سفيان، أن عائشة ابنة طلحة كانت ترى في نومها طلحة، و ذلك بعد موته بعشرين يوما؛ فكان يقول لها: يا بنيّة، أخرجيني من هذا الماء الذي يؤذيني!فلما
[١] الكسعي: يضرب به المثل في الندامة.
[٢] العجر و البجر: العيوب و الأحزان.
[٣] انتزع له سهما: رماه به.
[٤] سورة الحجر الآية ٤٧.