العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٦ - أخبار هشام بن عبد الملك
و نكره الإسراف و البخل، و ما نعطي تبذيرا، و لا نمنع تقتيرا، و ما نحن إلا خزّان اللّه في بلاده، و أمناؤه على عباده، فإذا أذن أعطينا، و إذا منع أبينا، و لو كان كل قائل يصدق، و كل سائل يستحق، ما جبهنا [١] قائلا، و لا رددنا سائلا؛ و نسأل الذي بيده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا، فإنه يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر، إنه بعباده خبير بصير.
فقالوا يا أمير المؤمنين، لقد تكلمت فأبلغت، و ما بلغ كلامه ما قصصت.
قال: إنه مبتدئ، و ليس المبتدئ كالمقتدي.
و ذكروا أن العباس بن الوليد و جماعة من بني مروان اجتمعوا عند هشام، فذكروا الوليد بن يزيد و عابوه و ذموه، و كان هشام يبغضه، و دخل الوليد، فقال له العباس:
يا وليد، كيف حبّك للروميات، فإن أباك كان مشغوفا بهن؟قال: كيف لا يكون و هن يلدن مثلك!قال: أ لا تسكت يا ابن البظراء؟قال: حسبك أيها المفتخر علينا بختان أمّك! و قال له هشام: ما شرابك يا وليد؟قال: شرابك يا أمير المؤمنين... و قام يخرج، فقال لهم هشام: هذا الذي زعمتموه أحمق.
و قرّب الوليد بن يزيد فرسه فجمع جراميزه [٢] و وثب على سرجه، ثم التفت إلى ولد هشام، و قال له: هل يقدر أبوك أن يصنع مثل هذا؟قال: لأبي مائة عبد يصنعون مثل هذا. فقال الناس: لم ينصفه في الجواب.
العتبي عن أبيه، قال: سمعت معاوية بن عمرو بن عتبة يحدث قال: إني لقاعد بباب هشام بن عبد الملك، و كان الناس يتقرّبون إليه بعيب الوليد بن يزيد، قال فسمعت قوما يعيبونه، فقلت: دعونا من عيب من يلزمنا مدحه، و وضع من يجب علينا رفعه. و كانت للوليد بن يزيد عيون لا يبرحون بباب هشام، فنقلوا إليه
[١] جبهنا، دفعنا.
[٢] جراميز الرجل: جسده و أعضاؤه.