العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٣٦ - أبو جعفر و ابن حسن
و أمره بأمره، و قال له: إني إنما أدخلك بين جلدي و عظمي؛ فلا توطئنّي عشواء [١] ، و لا تخف عني أمرا تعلمه. فخرج سلم بن قتيبة حتى قدم المدينة، و كان عبد اللّه يبسط له في رخام المنبر في الروضة، و كان مجلسه فيه؛ فجلس إليه و أظهر له المحبة و الميل إلى ناحيته؛ ثم قال له حين أنس إليه: إن نفرا من أهل خراسان، و هم فلان و فلان-و سمّى له رجالا يعرفهم ممن كان يكاتب، ممن استقرّ عند أبي جعفر أمرهم -قد بعثوا إليك معي مالا، و كتبوا إليك كتابا فقبل الكتاب و المال، و كان المال عشرة آلاف دينار.
ثم أقام معه ما شاء اللّه حتى ازداد به أنسا و إليه استنامة [٢] ، ثم قال له: إني قد بعثت بكتابين إلى أمير المؤمنين محمد، و إلى وليّ عهده إبراهيم؛ و أمرت أن لا أوصل ذلك إلا في أيديهما، فإن أوصلتني إليهما و أدخلتني عليهما؛ أوصلت إليهما الكتابين و المال، و رحلت إلى القوم بما يثلج صدورهم، و تقبله قلوبهم، فأنا عندهم بموضع الصدق و الأمانة، و إن كان أمرهما مظلما؛ و إن لم تكن تعرف مكانهما، لم يخاطروا بدينهم و أموالهم و مهجهم. فلما رأى عبد اللّه أنّ الأمور تفسد عليه من حيث يرجو صلاحها، [و أنه لا سبيل إلى ما معه]إلا بإيصاله إليهما و إظهارهما له، أوصله- فدفع الكتابين مع أربعين ألف درهم-ثم قال: هذا محمد، و هذا إبراهيم. فقال لهم:
إن من ورائي لم يبعثوني و لهم ورائي غاية، و ليس مثلي ينصرف إلى قوم إلا بجملة ما يحتاجون إليه، و محمد إنما صار إلى هذه الخطة، و وجبت له هذه الدعوة، لقرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم؛ و هاهنا من هو أقرب من رسول اللّه رحما و أوجب حقا منه قال:
و من هو؟قال: أنت!إلا أن يكون عند ابنك محمد أثر ليس عندك في نفسك!قال:
فكذلك الأمر عندي. قال له: فإن القوم يقتدون بك في جميع أمورهم، و لا يريدون أن يبذلوا دينهم و أموالهم و أنفسهم إلا بحجّة يرجون بها لمن قتل منهم الشهادة؛ فإن أنت خلعت أبا جعفر و بايعت محمدا اقتدوا بك، و إن أبيت اقتدوا بك أيضا في
[١] العشواء: الناقة التي في عينها مرض. و يقال: أوطئتني عشواء: أي أمرا ملتبسا.
[٢] الاستنامة: الاستقرار.