العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧٠ - أخبار زياد
و بعث زياد إلى رجال من بني تميم و رجال من بني بكر، و قال: دلّوني على صلحاء كل ناحية و من يطاع فيها، فدلوه فضمّنهم الطريق و حدّ لكل رجل منهم حدّا؛ فكان يقول: لو ضاع حبل بيني و بين خراسان عرفت من آخذ به.
و كان زياد يقول: من سقى صبيا خمرا حددناه، و من نقب [١] بيتا نقبنا عن قلبه، و من نبش قبرا دفناه فيه حيا.
و كان يقول: اثنان لا تقاتلوا فيهما العدوّ: الشتاء، و بطون الأودية.
و أول من جمعت له العراق زياد، ثم ابنه عبيد اللّه بن زياد؛ لم تجتمع لقرشي قط غيرهما.
و عبيد اللّه بن زياد أول من جمع له العراق و سجستان و خراسان و البحران و عمان، و إنما كان البحران و عمان إلى عمال أهل الحجاز.
و هو أول من عرف العرفاء [٢] ، و دعا النقباء، و نكّب [٣] المناكب، و حصل الدواوين، و مشي بين يديه بالعمد [٤] ، و وضع الكراسي، و عمل المقصورة، و لبس الزيادي، و ربّع الأرباع بالكوفة، و خمّس الأخماس بالبصرة، و أعطى في يوم واحد للمقاتلة و الذرية من أهل البصرة و الكوفة، و بلغ بالمقاتلة من أهل الكوفة ستين ألفا، و مقاتلة البصرة ثمانين ألفا، و الذرية مائة ألف و عشرين ألفا. و ضبط زياد و ابنه عبيد اللّه العراق بأهل العراق.
قال عبد اللّه بن مروان لعباد بن زياد: أين كانت سيرة زياد من سيرة الحجاج؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن زيادا قدم العراق و هي جمرة تشتعل فسلّ أحقادهم، و داوى أدواءهم، و ضبط أهل العراق بأهل العراق، و قدمها الحجاج؛ فكسر الخراج، و أفسد
[١] نقب: خرق.
[٢] العرفاء: جمع عريف، و هو القيم بأمر القوم و سيدهم.
[٣] المناكب: جمع منكب، و هو عريف القوم.
[٤] العمد: جمع عمود.