العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٤ - أخبار الحجاج
شدة الفرق [١] ، و على رأسه عمامة خزّ خضراء، و جعل يشخص إليّ ببصره ساعة كالمتوهم، ثم يعود إلى قراءة الكتاب و يلاحظني النظر كالمتفهّم، إلا أنه واجم [٢] ؛ ثم يعاود الكتاب، و إني لأقول: ما أراه يثبت حروفه؛ من شدة اضطراب يده، حتى استقصى قراءته؛ ثم مالت يده حتى وقع الكتاب على الفراش، و رجع إليه ذهنه، فمسح العرق عن جبينه ثم قال متمثلا:
و إذا المنيّة أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع [٣]
ثم قال: قبح و اللّه منا الحسن يا نباتة، و تواكلتنا عند أمير المؤمنين الألسن، و ما هذا إلا سانح فكرة نمقها مرصد يكلب بقصتنا، مع حسن رأي أمير المؤمنين فينا.
يا غلام!فتبادر الغلمان الصيحة، فملئ علينا منهم المجلس، حتى دفأتني [٤] منهم الأنفاس، فقال: الدواة و القرطاس. فأتي بداوة و قرطاس، فكتب بيده، و ما رفع القلم مستمدا حتى سطر مثل خد الفرس، فلما فرغ قال لي يا نباتة، هل علمت ما جئت به فنسمعك ما كتبنا؟قلت: لا. قال: إذا حسبك منا مثله. ثم ناولني الجواب، و أمر لي بجائزة فأجزل، و جرّد لي كساء و دعا لي بطعام فأكلت ثم قال: نكلك [٥] إلى ما أمرت به من عجلة أو توان، و إني لأحب مقارنتك و الأنس برؤيتك. فقلت: كان معي قفل مفتاحه عندك، و مفتاح قفلك عندي، فأحدثت لك العافية بأمرين: فاقفلت المكروه و فتحت العافية، و ما ساءني ذلك و ما أحب أن أزيدك بيانا، و حسبك من استعجال القيام.
ثم نهضت و قام مودعا لي، فالتزمني و قال: بأبي أنت و أمي، رب لفظة مسموعة و محتقر نافع؛ فكن كما أظن.
فخرجت مستقبلا وجهي حتى وردت أمير المؤمنين، فوجدته منصرفا من صلاة
[١] الفرق: الفزع.
[٢] واجم: العابس لشدة الحزن أو الفزع.
[٣] التميمة: ما يعلق في العنق لدفع العين.
[٤] دفأتني: اسخنتني.
[٥] نكلك: نسلمك.