العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧٩ - أخبار الحجاج
ألا و إنّ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان كبّ [١] كنانته فعجم عيدانها، فوجدني أصلبها عودا، فوجّعني إليكم؛ فإنكم طالما سعيتم في الضلالة، و سننتم سنن البغي؛ أما و اللّه لألحونّكم [٢] لحو العصا، و لأعصبنكم عصب السّلمة [٣] ، و لأقرعنّكم قرع المروة [٤] ، و لأضربنّكم ضرب غرائب الإبل؛ و اللّه ما أخلق إلا فريت [٥] ، و لا أعد إلا وفيت، و لا أغمز تغماز التين، و لا يقعقع لي بالشّنان [٦] .
إياي و هذه الزرافات و الجماعات، و قيل و قال و ما تقول، و فيم أنتم و نحو هذا؛ و من وجدته بعد ثالثة من بعث المهلب ضربت عنقه.
ثم قال: يا غلام، اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين. فقرأ عليهم:
بسم اللّه الرحمن الرحيم. من عبد الملك بن مروان إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم.
فلم يقل أحد شيئا، فقال الحجاج: اسكت يا غلام، هذا أدب ابن نهية؛ و اللّه لأؤدّبنهم غير هذا الأدب أو ليستقيمنّ؛ اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين. فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق أحد في المسجد إلا قال: و على أمير المؤمنين السلام.
ثم نزل فأتاه عمير بن ضابئ فقال: أيها الأمير، إني شيخ كبير عليل، و هذا ابني أقوى على الغزو مني. قال: أجيزوا ابنه عنه؛ فإنّ الحدث [٧] أحبّ إلينا من الشيخ.
فلما ولي الرجل قال له عنبسة بن سعيد: أيها الأمير، هذا الذي ركض [٨] عثمان برجله و هو مقتول. فقال: ردّوا الشيخ. فردّوه، فقال: اضربوا عنقه!فقال فيه الشاعر:
[١] كبّ: طرح.
[٢] لألحونكم: لأقشرنكم.
[٣] السلمة: شجر لا شوك فيه.
[٤] المروة: جمع مرو: و هو نبات عطر طبي.
[٥] فريت: قطعت.
[٦] القعقعة: التحريك، و الشنان: القرب البالية.
[٧] الحدث: الشاب.
[٨] ركض برجله: ضرب بها.