العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٦ - أخبار الحجاج
و كادحا و مؤرّشا [١] ، ليفلّ من عزمه الذي نصبني، و يصيب ثأرا لم يزل به موتورا، و ذكر قديم ما منى به الأوائل حتى لحقت بمثله منهم و ما كنت أبلوه من خسة أقدار، و مزاولة أعمال، إلى أن وصلت ذلك بالتشرّط لروح بن زنباع. و قد علم أمير المؤمنين بفضل ما اختار اللّه له تبارك و تعالى من العلم المأثور الماضي، بأن الذي غيّر به القوم من مصانعهم من أشد ما كان يزاوله أهل القدمة [٢] الذين اجتبى اللّه منهم، و قد اعتصموا و امتعضوا من ذكر ما كان، و ارتفعوا بما يكون، و ما جهل أمير المؤمنين- للبيان موقعه، غير محتج و لا متعدّ-أن متابعة روح بن زنباع طريق الوسيلة لمن أراد من فوقه، و أن روحا لم يلبسني العزم الذي به رفعني أمير المؤمنين عن خوله؛ و قد ألصقتني بروح بن زنباع همة لم تزل نواظرها ترمي بي البعيد، و تطالع الأعلام. و قد أخذت من أمير المؤمنين نصيبا اقتسمه الإشفاق من سخطته و المواظبة على موافقته، فما بقي لنا بعد إلا صبابة إرث، به تجول النفس و تطرف النواظر، و لقد سرت بعين أمير المؤمنين سير المثبّط لمن يتلوه، المتطاول لمن تقدمه، غير مبتّ [٣] موجف، و لا متثاقل مجحف؛ ففتّ الطالب، و لحقت الهارب، حتى سادت السنّة، و بادت البدعة، و خسئ الشيطان، و حملت الأديان إلى الجادة العظمى و الطريقة المثلى؛ فها أنا ذا يا أمير المؤمنين، نصب المسألة لمن رامني، و قد عقدت الحبوة [٤] ، و قرنت الوظيفتين لقائل محتج، أو لائم ملتجّ؛ و أمير المؤمنين ولي المظلوم، و معقل الخائف؛ و ستظهر له المحنة نبأ أمري؛ و لكل نبإ مستقر؛ و ما حفنت [٥] يا أمير المؤمنين في أوعية ثقيف حتى روي الظمآن، و بطن الغرثان [٦] ، و غصّت الأوعية، و انقدّت [٧] الأوكية [٨] في
[١] المؤرش: الذي يوقد النار أو الحرب، أو يغري بعض الناس ببعض.
[٢] القدمة: السابقة في الأمر.
[٣] أبت بعيره: إذا أجهده و أتعبه في السير حتى قطعه.
[٤] الحبوة: ما يحتبى به من ثوب و غيره.
[٥] حفن: جرف بكلتا يديه، و حفن الماء: القاه.
[٦] الغرثان: الجائع.
[٧] انقدّت: انقطعت.
[٨] الأوكية: جمع وكاء: و هو الخيط الذي تشد به الصرة أو الكيس.