المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦٣ - ذكر الأحداث/ المتعلقة بالعرب
الصواب، فإن وثقت بأنك ذو ملك و سلطان، و عزة و مكان، فإنك قد نزعت يدك من سلطانك، و فارقت عشيرتك و مكانك، و ألقيتها في يدي/ من لست آمن عليك مكره و غدره، فإن كنت و لا بد فاعلا، و لهواك تابعا، فإن القوم أن يلقوك غدا فرقا و ساروا أمامك، و جاء قوم و ذهب قوم فالأمر بعد في يدك، و الرأي فيه إليك، فإن تلقوك زردقا واحدا، و قاموا لك صفّين حتى إذا توسطتهم انقضّوا عليك من كل جانب فأحدقوا بك فقد ملكوك و صرت في قبضتهم، و هذه العصا [١] لا تسبق غبارها- و كانت لجذيمة فرس تسبق الطير، و تجاري الرياح يقال لها: عصا- فإذا كان كذلك فتجلل ظهرها، فهي ناجية بك إن ملكت ناصيتها، فسمع جذيمة كلامه، و لم يردّ جوابا، و سار.
و كانت الزّباء لما رجع رسول جذيمة من عندها قالت لجندها: إذا أقبل جذيمة [غدا] [٢] فتلقوه بأجمعكم و قوموا له صفين من عن يمينه و من [٣] عن شماله، فإذا توسط جمعكم فتفوضوا عليه من كل جانب حتى تحدقوا به، و إياكم أن يفوتكم.
و سار جذيمة و قصير عن يمينه، فلما لقيه القوم زردقا [٤] واحدا قاموا له صفين، فلما توسطهم انقضوا عليه من كل جانب انقضاض الأجدل [٥] على فريسته [٦]، فأحدقوا به [٧]، و علم أنهم قد ملكوه، و كان قصير يسايره، فأقبل عليه، و قال: صدقت يا قصير.
فقال قصير: أيها الملك، «أبطأت بالجواب حتى فات الصواب». فأرسلت [٨] مثلا.
فقال: كيف الرأي الآن؟ فقال: هذه العصا فدونكها، لعلها تنجو بك [٩]- أو
[١] في الأصل: «العصي».
[٢] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، و أثبتناه من ت.
[٣] في ت: «صفين عن يمينه و عن شماله».
[٤] الزّردق: خيط يمدّ، و الزردق: الصف القيام من الناس، و الزردق: الصف من النخل. و هو بالفارسية:
«زرده».
[٥] الأجدل: الصّقر، صفة غالبة، و أصله من الجدل الّذي هو الشّدّة.
[٦] في الأصل: «فرسه».
[٧] في ت: «فأحدقوا إليه».
[٨] في الأصل: «فأرسله مثلا».
[٩] في ت: «لعلك تنجو بها».