المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٥ - ذكر عيشته و زهده
أخبرنا مخلد بن جعفر، قال: أخبرنا الحسن بن علي القطان، قال: أخبرنا إسماعيل بن عيسى العطار، قال: أخبرنا إسحاق بن بشر القرشي، قال: أخبرنا عيسى بن عطية السعدي، و عبد اللَّه بن زياد بن سمعان، قالا جميعا: عن مكحول، عن كعب [١]:
ان عيسى كان يأكل الشعير، و يمشي على رجليه، و يركب الدواب، و لا يسكن البيوت و لا يستصبح السراج، و لا يلبس القطن، و لا لمس النساء و الطيب، و لم يمزج/ شرابه بشيء قط، و لم يدهن رأسه، و لم يقرب رأسه و لحيته غسولا قط، و لم يجعل بين الأرض و بين [٢] جلده شيئا قط. و لم يهتم لغداء و لا لعشاء. و كان يجالس الضعفاء و المساكين، و لم يأكل مع الطعام إداما قط، و كان يجزئ بالقوت القليل، و يقول: هذا لمن يموت كثير.
و قال عيسى، و عبد اللَّه جميعا، عن بعض من أسلم من أهل الكتاب: ان عيسى عليه السلام كان سيّاحا يسيح في الأرض، لا يأويه بيت و لا قرية، عليه برنس من شعر و إزار من شعر [٣]، و [ينتعل] [٤] نعلين من النعال السبتية و في يده عصا، مأواه حيث ما جنّه الليل، سراجه ضوء القمر، و ظله ظلمة الليل، و فراشه من الأرض، و وساده حجر الأرض، و بقلة و ريحانه عشب الأرض، و ربما طوى الأيام جائعا، إذا أصابه الشدة فرح و استبشر، و إذا أصابه الرخاء خاف و حزن [٥].
قال القرشي: و به حدثنا هشام، عن الحسن: أن عيسى مرّ به إبليس يوما و هو متوسد حجرا، فقال: يا عيسى، أ ليس تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا؟ قال:
فقام عيسى عليه السلام فأخذ الحجر فرمى به إليه، فقال: هذا لك مع الدنيا [٦].
قال: و قالوا: يا روح اللَّه، لو بنينا لك بيتا تسكنه، قال: لا حاجة لي به، [فألحّوا
[١] في ت حذف السند و كتب بدلا منه: «أنبأنا يحيى بن ثابت بإسناد له عن مكحول عن كعب أن عيسى ...».
[٢] «و بين» سقطت في الأصل و أثبتت بالهامش.
[٣] «و إزار من شعر» سقط من ت.
[٤] ما بين المعقوفين ساقط من الأصل و أضفناه لاستقامة المعنى و اللغة.
[٥] انظر البداية و النهاية ٢/ ٨٨.
[٦] البداية و النهاية ٢/ ٨٨.