المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٣ - ذكر الحوادث حرب الحواريين بعد رفع عيسى عليه السلام
عنهما فأخبر بشأنهما و أنهما محبوسان في السجن، فدخل عليهما، فقال: أ لم أقل لكما أرفقا، و لا تحرقا، و لا تستبطئاني فهل تدريان ما مثلكما؟ [مثلكما] [١] مثل امرأة لم تصب واحدا حتى دخلت في السن، فأصابت بعد ما دخلت في السن ولدا، فأحبت أن يعجل شبابه حتى يكبر، فحملت على معدته ما لا يطيق فقتلته. ثم قال لهما: و الآن فلا تستبطئاني حتى آتي إلى باب الملك.
فأتاه و قد جلس للناس، و كانوا إذا ابتلوا بحرام و بحلال رفعوه إلى الملك، فنظر فيه ثم سأل عنه ما يليه، و سأل الناس بعضهم بعضا حتى ينتهي إلى أقصى المجلس.
فجلس نسطور في أقصى المجلس، فلما ردوا على الملك جواب من أجابه، و ردوا عليه جواب نسطور، فسمع بشيء عليه نور، و خلا في مسامعه، فقال: من صاحب هذا القول؟ قالوا: الرجل الّذي في أقصى المجلس، قال: عليّ به. فلما جاءه قال: أنت القائل كذا؟ قال: نعم، قال: فما تقول في كذا و كذا؟ فجعل لا يسأله عن شيء إلا فسّره له، فقال له الملك: عندك هذا العلم و أنت تجلس في آخر القوم، ضعوا له عند سريري مجلسا. ثم قال له: إن أتاك ابني فلا تقم له.
ثم أقبل على نسطور و ترك الناس، فلما عرف أن منزلته قد ثبتت، قال: لأروزنّه.
فقال: أيها الملك، أنا رجل بعيد الدار فإن أحببت أن تقضي حاجتك مني فأذن لي فأنصرف إلى أهلي، فقال: يا نسطور، ما إلى ذلك سبيل فإن أردت أن تحمل أهلك إلينا فلك المواساة، و إن [أحببت أن] [٢] تأخذ من بيت المال حاجتك فتبعث به إلى أهلك فعلت. فسكت نسطور.
ثم تخيّر يوما مات لهم فيه ميت، فقال: أيها الملك، بلغني أن رجلين أتياك يعيبان عليك دينك. قال: فذكرهما، فأرسل إليهما، فقال: يا نسطور، أنت حكم بيني و بينهما، ما قلت من شيء رضيت به، قال: نعم، أيها الملك، هذا ميت قد مات في بني إسرائيل فمرهما يدعوان ربهما فيحييه لهما، ففي ذلك آية بيّنة.
قال: فأتي بالميت فوضع عنده، و قاما و توضئا و دعوا ربهما فردّ عليه روحه و تكلم،
[١] ما بين المعقوفتين: سقط في ت.
[٢] ما بين المعقوفتين: سقط من الأصل و أثبتناه في ت.