المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٣٥ - فصل
فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، و غنم أموالا، فشكا ذلك المنذر إلى كسرى، فكتب كسرى إلى ملك الروم يذكر ما بينهما من العهد، و يعلمه ما لقي عامله المنذر، و يسأله أن يأخذ خالد بأن يردّ على المنذر ما غنم من حيّزه، و يدفع إليه دية من قتل، و أن لا يستخف بما كتب إليه، فيكون في ذلك انتقاض ما بينهما من العهد.
ثم واتر الكتب بذلك فلم يحفل بها ملك الروم، فغزاه كسرى في بضعة و تسعين ألف مقاتل، فأخذ مدينة دارا، و مدينة الرّهاء، و مدينة منبج، و مدينة قنّسرين، و مدينة حلب، و مدينة أنطاكية- و كانت أفضل مدينة بالشام- و مدينة فامية، [و مدينة] [١] حمص، و مدنا كثيرة، و احتوى على ما كان منها، و سبى أهل مدينة أنطاكية، و نقلهم إلى أرض السواد، و كان ملك الروم يؤدي إليه الخراج، و كان قباذ قد أمر في آخر ملكه بمسح الأرض، سهلها و وعرها، ليصحّ الخراج عليها، فمسحت، غير أن قباذ هلك قبل أن يستحكم أمر المساحة، فلما ملك كسرى أمر باستتمامها و إحصاء النخل و الزيتون، ثم استشار الناس و قال: نريد أن نجمع من ذلك في بيوت أموالنا ما لو أتانا عن ثغر أو طرف فتق، كانت الأموال عندنا معدّة. فاجتمع رأيهم على وضع الخراج على ما يعصم الناس و البهائم، و هو الحنطة و الشعير و الأرز و الكرم و الرّطاب و النخل و الزيتون، فوضعوا عن كل جريب أرض رطاب سبعة دراهم، و على كل أربع نخلات فارسي درهما، و على كل ست نخلات دقل [٢] مثل ذلك [٣]، و على كلّ ستة أصول زيتون/ مثل ذلك، و لم يضعوا إلّا على النخل الّذي تجمعه الحديقة دون الشاذ، و ألزموا الناس الجزية ما خلا أهل البيوتات و العظماء و المقاتلة و الهرابذة و الكتاب، و من كان في خدمة الملك، و صيّروها على طبقات: اثني عشر درهما، و ثمانية، و ستة، و أربعة، على قدر إكثار الرجل و إقلاله، و لم يلزم الجزية من كان له من السن دون العشرين و فوق الخمسين، و اقتدى بجمهور هذه الأشياء عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه [٤].
قالوا: و كان كسرى ولى رجلا من الكتّاب- ذا كفاية، يقال له: بابك بن البيروان-
[١] ما بين المعقوفتين: سقط من الأصل، ت و أثبتناه من الطبري ٢/ ١٤٩.
[٢] الدقل: أردأ أنواع التمر.
[٣] «و على كل ست نخلات دقل مثل ذلك». سقط من ت.
[٤] تاريخ الطبري ٢/ ١٤٨- ١٥٢. باختصار و تصرف.