المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٣٢ - فصل
ناوشهم القتال حتى ننظر كيف قتالهم. فخرج إليهم فناوشهم فقتلوه، فزاد ذلك وهرز حنقا [١] عليهم فقال: أروني ملكهم. فقالوا: ترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء. قال: نعم. قالوا: ذاك [٢] ملكهم. فوقفوا طويلا ثم قال:
علام هو؟ قالوا: قد تحوّل على فرس. فقال: اتركوه. فوقفوا طويلا، ثم قال: علام هو؟
قالوا: قد تحوّل على البغلة. فقال: ابنة الحمار! ذلّ و ذلّ ملكه، إنّي سأرميه، فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحرّكوا فأثبتوا حتى أوذنكم، فإنّي قد أخطأت الرجل، و إن رأيتم القوم قد استداروا، و لاثوا به، فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم.
ثم أوتر قوسه و ضربه فصكّ الياقوتة التي بين عينيه، فتغلغلت النّشابة في رأسه، حتى خرجت من قفاه، فتنكّس عن دابّته، و استدارت الحبشة، فحملت عليهم الفرس، فانهزموا، و قتلوا و هرب شريدهم في كلّ وجه، فاقبل وهرز يريد صنعاء يدخلها، حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتي منكّسة أبدا، اهدموا الباب. فهدم باب صنعاء، ثم دخلها ناصبا رايته بين يديه.
فلما ملك اليمن و نفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى: إنّي قد ضبطت لك اليمن، و أخرجت من كان بها من الحبشة، و بعث إليه الأموال. فكتب إليه كسرى أن يملّك سيف بن ذي يزن على اليمن و أرضها، و فرض كسرى على سيف بن ذي يزن جزية و خراجا يؤديه في كلّ عام، و كتب إلى وهرز أن ينصرف إليه ففعل، و كان ذو يزن [٣] أبو سيف من ملوك اليمن [٤].
و قيل: بل الّذي قدم على كسرى ذي يزن، فمات على بابه، فقدم ابنه سيف عليه، فقال: أنا ابن الشيخ اليماني الّذي وعدته النصر فمات ببابك فرق له و أعانه، و جرى له ما ذكرنا.
[١] في الأصل: «حتفا».
[٢] في الأصل: «ذلك».
[٣] في الأصل: «ذو أيزن».
[٤] تاريخ الطبري ٢/ ١٣٩- ١٤٢.