المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٩٣ - حديث أنطونس السائح
النصراني قربته فارغة، فلما توسط المفازة أصاب القربة سهم فنفد ما فيها، فقعدا يتلاومان، فمر بهما رجل معه ماء، فقالا: احتسب علينا شربة من ماء، فقال: هذا طريق ليس فيه حسبه، قالا له: فما دينك؟ قال: فما دينكما أنتما؟ قالا: فإن أحدنا يهودي و الآخر نصراني فقال: اليهودي و النصراني و المسلم إذا لم يعمل بما في كتابه و اتكل على الطمع لقي ما لقيتما، فقالا: هذا رجل حازم، قال: ما يغني عنكما حزمي. فينبغي للعاقل أن يأخذ بالحزم في أمر آخرته كما يأخذ بالحزم في أمر دنياه و لا يتكل على الطمع.
و لقد عجبت لأهل الأعمال السيئة، يستترون من الخلق دون الخالق، كيف أمنوا أن يصيبهم ما أصاب صاحب الدير؟ قالوا: كيف كان ذلك؟ قال: زعموا أن رجلا كان يبيع العسل و الزيت و السمن، يشتريه نقيا و يبيعه مغشوشا، و كان ذا لحية عظيمة، و كان أكثر من يراه يقول: لو كنت أسقفا فما صلحت لحيتك إلا للأساقفة، فأقبل على تعلم الإنجيل و المزامير/ و ترهب طلبا للدنيا [١]، فولوه أمرهم فنقص أرزاقهم، و غير مراتبهم، و تفرغ للذته، فانتدب له سياط، فجعل يلوم الرهبان و يقول: هذا ما عمل بكم حسن نظركم في طول اللحى، ثم آل أمره إلى أن أحرق.
و لقد عجبت لأهل المصائب كيف [لا] [٢] يستعينون بالصبر، و إنه سيأتي على صاحب المصيبة يوم يتمنى فيه مثل ما يتمنى الأعمى في مصيبته.
قالوا: و ما تمنى الأعمى؟ قال: زعموا أن تاجرا دفن مائة دينار في موضع فبصر بها جار له فأخرجها و أخذها، فلما فقدها التاجر جزع، ثم طال به العمر فعمي و احتاج، فلما حضرت جاره الوفاة أوصى برد المال إلى الأعمى، فسر سرورا شديدا إذ رد إليه المال أحوج ما كان إليها، فقال: ليت كل ما لي قبض يومئذ. و كذلك من له عمل صالح.
و لقد عجبت من فقد عقولهم، كيف لا يعملون بما يعلمون، كأنهم يريدون أن يهلكوا كما هلك صاحب السيل، قالوا: و كيف كان ذلك.
[١] في الأصل: «و ترهبن طلبا للدنيا». و ما أوردناه من ت.
[٢] ما بين المعقوفتين: من ت.