المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٩٢ - حديث أنطونس السائح
أيام ولدت أنك تموت غريقا، قال: فما أخبرك أني أصيب مالا؟ قال: بلى لذلك نهيتك عن التجارة و التمست لك عملا تعيش فيه يوما بيوم، قال: أتجر، و إن عشت عشت بخير، و إن مت تركت أولادي بخير، قال: يا ولدي لا يكونن ولدك آثر عندك من نفسك.
فعمل سفينة و ركب فيها بتجارة فغاب سنة، ثم قدم بمائة قنطار ذهبا، فحمد اللَّه والده و قال: يا بني، إني كنت نذرت للَّه تعالى إن ردك سالما أن أحرق السفينة، قال: لقد أردت هلاكي، قال: إنما أردت حياتك، فاقبل على الشكر فقد أصبت غنى الدهر، فلم يقبل، و خرج فغاب سنة و بعض أخرى، فقدم بأضعاف ما قدم به أو لمرة، فقال لأبيه: لو كنت أطعتك لم أصب هذا المال، قال: يا بني إنما أراك تعمل لغيرك و سيجرعك ما ترى غصة فتتمنى لو كان بينك و بين هذه البلدة جبال المشرق، قال: يا أبت أرجو أن يكون المنجم أصاب في الغنى و أخطأ في الغرق. ثم صنع سفينة أخرى، فبكى أبوه، فرق لذلك و قال: يا أبت، و اللَّه لئن ردني اللَّه سالما لا ركبت بحرا ما عشت، قال: يا بني، اليوم أيقنت تفقدك. فمضى، فلما توسط البحر أصابه موج فضربت إحدى سفينته الأخرى فانصدعتا فغرقتا، فجعل يتأسف على عصيان أبيه و هلك و من معه، فبلغ الخبر أباه فكمد حتى هلك، و قسم الميراث على امرأة التاجر و ابنه و ابنته، فتزوجوا و صار ذلك المال إلى أزواجهن، فكل ما يجمع الأشقياء إلى ذلك يصير.
و لقد عجبت للمؤثر على نفسه المؤثر غيره، ويحك ما تبلغ بالكفاف لا تؤثر غيرك فتلقى ما لقي صاحب الحوت، قالوا: ما لقي؟ قال: زعموا أن صياد سمك أصاب/ في صيده حوتا عظيما، فقال: ما أحد أحق بأكله مني، ثم بدا له فأهداه إلى جاره، فأهداه الجار إلى مقعد مسكين، فجعل الصياد يندم و يقول: حرمته نفسي و صار إلى أعدى الناس لي.
و لقد عجبت لهذا الشغل الّذي غرّ العقلاء و الجهال حتى هلكوا جميعا بالرجاء و الطمع كما هلك اليهودي و النصراني، قالوا: و كيف كان ذلك؟ قال: اصطحب يهودي و نصراني إلى أرض فصارا في عمران و مياه إلى أن انتهيا إلى بئر وراءها مفازة مسيرتها أربعة أيام، و مع كل واحد منهما قربته، فملأ اليهودي قربته و أراد النصراني أن يملأ قربته، فقال له اليهودي: تكفينا قربتنا هذه و لا ننقل دوابنا، فقال النصراني: أنا أعلم بالطريق، فقال اليهودي: تريد إلا أن تشرب الماء كلما عطشت؟ قال: نعم، فترك