المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥٤ - ذكر الأحداث/ المتعلقة بالعرب
زهرة و غدر [١]، و خرج ولده و عمرو معهم يجتنون الكمأة [٢]، فكانوا إذا أصابوا كمأة جيّدة أكلوها، و إذا أصابها عمرو خبأها في حجزته [٣]، فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون و عمرو يقول [٤]:
هذا جناي و خياره فيه * * * إذ كلّ جان يده إلى فيه
فضمه إليه جذيمة و التزمه و سرّ بقوله و فعله، و أمر فجعل له حلي من فضة و طوق من فضة. فكان أوّل عربي ألبس طوقا، فكان يسمّى عمرو ذا [الطوق] [٥]. فبينما هو على أحسن حاله استطاره الجنّ [فاستهوته] [٦]، فضرب جذيمة في الآفاق فلم يقدر عليه.
و أقبل رجلان أخوان من بلقين [بهدايا يريدان جذيمة] [٧] يقال لهما: مالك و عقيل [٨] فنزلا ببعض الطريق منزلا و معهما قينة [٩] لهما يقال لها: أمّ عمرو، فقدّمت إليهما طعاما،/ فبينما هما يأكلان أقبل فتى عريان شاحب، قد تلبّد شعره و طالت أظفاره و ساءت حاله، فجاء حتى جلس حجرة [١٠] منهما، فمدّ يده إليهما يريد الطعام، فناولته القينة كراعا [١١] [فأكلها] [١٢] ثم مد يده إليها، فقالت: «تعطي العبد كراعا فيطمع في الذراع». فذهبت مثلا ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها فأوكت زقّها [١٣]، فقال عمرو بن عدي:
[١] غدر: جمع غدير.
[٢] الكمء: فطر من الفصيلة الكمئيّة، و هي أرضية، تنتفخ حاملات أبواغها فتجبى و تؤكل مطبوخة، و يختلف حجمها بحسب الأنواع.
[٣] الحجزة: معقد الإزار.
[٤] انظر الشعر في: ديوان الإمام علي جمعه و شرحه نعيم زرزور طبعة دار الكتب العلمية ص ٢١٣، و ما أشار إليه في حاشيته الطبعة الأولى و الّذي يعكف على استزادته و التعليق عليه في طبعة ثانية إن شاء اللَّه.
[٥] «الطوق». من الطبري و انظر المثل ٣٠١٧ من مجمع الأمثال للميداني (شب عمر عن الطوق).
[٦] «فاستهوته» من الطبري.
[٧] ما بين المعقوفتين: سقط من الأصل، و أثبتناه من ت.
[٨] في ت: «يقال لأحدهما مالك و الآخر، عقيل».
[٩] القينة: المغنية.
[١٠] الحجرة: الناحية.
[١١] الكراع: مستدق الساق من البقر و الغنم.
[١٢] ما بين المعقوفتين: سقط من الأصل، و أثبتناه من ت.
[١٣] الزق: السقاء، و أوكى الزق: ربطه و شد عليه.